من أجل النهوض بحقوق العمال المهاجرين في جميع أنحاء الشرق الأوسط

سياسات الكويت ضد العمالة غير الموثقة تعوزها الفعالية والإنصاف

انشر Find us on Twitter Find us on Facebook Find us on ... Share this via email
Sep 11 2013

مارست السلطات الكويتية أساليب حادة ضد العمالة الأجنبية غير الموثقة على مدار الشهور الماضية، إذ وقّفت وزارة الداخلية مئات العمال الأجانب كونهم لا يحملون وثائق عمل قانونية أو تأشيرات إقامة سارية. وتواجه هذه العمالة عقوبات مثل الغرامات الباهظة، والحبس لأجل غير مسمى، والترحيل. ومعظم هؤلاء العمال لا يستطيعون تحمّل نفقات التمثيل القانوني للطعن على المعاملة التي يتلقونها، ولا يحصلون سوى على دعم محدود من سفاراتهم. وتبرر الحكومة الكويتية هذه التجاوزات ضد حقوق العمالة الأجنبية بالإشارة لوضعهم "غير القانوني".

ولكن تتجنب الحكومة الاعتراف بتورطها في انتشار العمالة الأجنبية غير الموثقة، وذلك من خلال رفضها الإقرار بوجود أوجه قصور يجب علاجها في نظام الكفالة. فالتكوين الجامد للنظام يولد ظروفا استثنائية تدفع بالعمالة القانونية إلى مهبّ الوضعية غير القانونية، إذ يجعل النظام العامل الأجنبي معتمدا اعتمادا كليا على رب العمل بواسطة عدة قوانين، منها أن يظل سريان إقامة العامل في الكويت قيد استمرار عقده مع كفيله.

ولا يمكن للعامل الانتقال لرب عمل آخر دون تصريح من الكفيل الأصلي، وحتى إذا تمكن من الحصول على تصريح الكفيل (وهو أمر غير محتمل في حالات النزاع)، يتعين عليه دفع رسوم باهظة تتراوح بين 754$ حتى 1884$ دولارا أميركيا. ويعد هذا المبلغ أعلى بكثير من معدل أجور معظم العمال، ناهيك عن أن كثيرا منهم مدانون بمبالغ كبيرة.
وأحيانا ما يستغل أرباب العمل صفتهم القانونية الأعلى عبر تهديد العمال بالترحيل، إذا حدث واشتكوا من الأجور المتأخرة أو غير المدفوعة، أو من ظروف العمل التي تحيد عن العقد الأصلي. ويظل التجاء العمال لاتخاذ الإجراءات القانونية، ضد أرباب العمل المسيئين، رهين التهديد بالترحيل. بالإضافة إلى غيرها من العقبات التي يفرضها نظام الكفالة، فعند اتخاذ العمال للإجراءات القانونية ضد أرباب العمل، يتم إنهاء عقودهم الجارية مما يجعلهم غير قادرين على الانتقال لرب عمل آخر بشكل قانوني طوال مدة القضية. والغالبية العظمى من العمال ذوي الدخل المنخفض لا يستطيعون العيش لشهور دون أجر، ناهيك عن عدم مقدرتهم على دفع تكاليف التمثيل القانوني وخدمات الترجمة، وخاصة أنه من غير المرجح أن تسفر مثل هذه القضايا عن النتائج المرجوة منها.

وفي الحالات القليلة التي يدان فيها رب العمل، قد تقوم المحكمة بإطلاق العامل وفسخ عقده، وهو ما يستتبعه بالضرورة ترحيله. وهذه النتيجة هي مخاطرة لا تستطيع العمالة الأجنبية تحمّل عواقبها، وخاصة العمال حديثو العهد نظرا لارتهانهم بديون كبيرة ذات صلة بالتوظيف، وهم لا ينوون العودة لأوطانهم دون تعويض هذه الديون. وهكذا يجبر هيكل نظام الكفالة العمال سلوك البديل الأكثر جدوى، وهو المغامرة بالعمل دون تسجيل نتيجة الظروف الاستغلالية المفروضة عليهم.
ويجد موقف الكويت غير المبالي تجاه العمالة غير الموثقة تبريرا سطّرته الأساطير الشعبية. فعلى سبيل المثال، تؤكد وسائل الإعلام المحلية بشكل متكرر أن العمالة غير الموثقة (وخاصة عاملات المنازل) تتلقى دخلا أعلى من العمالة القانونية، وتشكو بعض مقالات الرأي من "ابتزاز" العمالة غير الموثقة للكفلاء، وهو نقيض لواقع العلاقة الاستغلالية لنظام الكفالة. إذ يمسي العمل غير الموثق مفرا لا بد منه لدى غالبية العمال الأجانب.

وبالرغم من أن العامل قد يهرب من كفيله القانوني نظرا لانخفاض أو انعدام الأجر، فإن العمل غير القانوني ليس آمنا ماديا بالضرورة. فحماية العمالة غير الموثقة هي بالتأكيد أقل من الحماية الضئيلة التي يتمتع بها نظرائهم الموثقين، ويعود ذلك جزئيا إلى التهديد القائم بالترحيل. ولذا يحرص العامل على عدم إثارة أرباب العمل الحاليين أو المحتملين، وخاصة هؤلاء الذين قد يحيلوه إلى الشرطة.

والأسطورة الشعبية الثانية، والتي تم ترديدها مؤخرا في مقالة كويتية، تسيء للعمالة غير الموثقة من خلال "تأكيدات" غامضة ولا أساس لها من الصحة حول "خطر" مبهم يشكله هذه الفئة على المجتمع ككل. وإنما في واقع الأمر، تميل العمالة غير الموثقة إلى تجنب أي مواجهة محتملة مع السلطات، كونه حتما سيترتب عليها الترحيل، وهو ما يثني العمالة الأجنبية عن أي ميول إجرامية محتملة، إن وجدت.

وتؤطر السياسات الكويتية والتغطية الإعلامية المحلية معا لمثل هذه المفاهيم الخاطئة والمتحيزة، ناهيك عن عدم تجريم توظيف العمالة غير الموثقة عن قصد، إذ يسعى بعض أرباب العمل لتوظيف العمالة غير الموثقة لأسباب متنوعة، منها الحاجة إلى توظيف المزيد من العمال فوق الحصص الرسمية المسموح بها، أو تفضيل توظيف العاملين بدوام جزئي، أو الرغبة في الالتفاف على رسوم أو لوائح التوظيف للحصول على عمالة أرخص. وأرباب العمل هؤلاء تحديدا هم الذين يروجون لسوق العمالة غير الموثقة، وهم متواطئون، مثلهم مثل العمال، في مخالفة نظام الكفالة. وبالرغم من ذلك، فإنه نادرا ما يتم التحقيق مع أرباب العمل في الجرائم (المحتملة) التي قد تكون دفعت بالعاملين إلى الهرب، بالرغم من أن الامتناع عن دفع الأجر، والاعتداء البدني، والظروف المعيشية السيئة تعد أيضا انتهاكات للقوانين الكويتية.
وفي حالات نادرة، تتم معاقبة أرباب العمل غير القانونيين بالغرامة أو الحبس، إلا أنه يتم التحايل حول هذه الأحكام، بل ويتلاشى بعضها في وقت لاحق. وعلاوة على ذلك، فإنه لا تُتابع هذه الحالات عن كثب، ولا تعامل بقسوة كحال العمالة الأجنبية. وعلى الأقل، فأرباب العمل لا يوقفون جماعيا، ولا يحرمون من التمثيل القانوني، ولا يبقون رهن الحبس إلى أجل غير مسمى. وتديم ندرة العقوبات المفروضة ضد الكفلاء الاستغلال الممنهج الذي يتفاقم بدوره ضد العمالة غير الموثقة، فضلا عن حيلولتها دون نجاح جهود الحكومة الكويتية الرامية للحد من هذه الظاهرة.

ولا تخضع وسائل الإعلام أرباب العمل لنفس النظرات المهينة للكرامة البشرية التي تسم تغطيتها لجرائم العمالة الأجنبية. ونشرت صحيفة "كويت تايمز" مؤخرا، على سبيل المثال، صورا لمشتبه بهم، وهم في الغالب عمال أجانب، في قسم "الجرائم". وفي صورة تمييزية أخرى، يحلق مجموعة من العرب حول طاولة، بينما تجلس في الخلفية مجموعة من العمالة الأجنبية على الأرض. وفي صورة ثالثة، يطرح عدد كبير من الأجانب المتهمين أرضا. وهذه الصور غالبا ما تعطي انطباعا سيئا عن العمالة الأجنبية وتشوهها. وعلى الجانب الآخر، فإن أرباب هؤلاء العمال غير القانونيين، والمشتركين في الجريمة، لا يجبرون على الجلوس في مثل هذه الوضعيات المهينة، ولا يتم نشر صورهم مثل المجرمين.
وبالمثل، فإن معظم ما كتب عن العمالة غير الموثقة يتجاهل تواطؤ أرباب العمل. وهذا النهج غير المتوازن يقنن التجاوزات ضد حقوق العمالة غير الموثقة على المستويين الحكومي والفردي، وهو الأمر الذي يخالف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي يقر بمساواة البشر أمام القانون، بما فيهم العمالة غير الموثقة.
ويخضع البدون كذلك لنفس التحامل والتمثيل الخاطئ (اقرأ المزيد عن التمييز الحكومي والمجتمعي ضد البدون على موقعنا "حقوق البدون").
وهناك عوامل جانبية أخرى غير نظام الكفالة تسهم في الهجرة غير الشرعية أو العمل غير الموثق. وتفد بعض العمالة الأجنبية إلى الكويت بدون وثائق لمجموعة متنوعة من الأسباب، منها مثلا محاولة تفادي تكاليف التوظيف باهظة الثمن، أو الاتجار الإرادي أو القسري بالبشر، أو تزوير بعض أرباب العمل للتأشيرات، أو الحظر على استقدام بعض الجنسيات، أو حظر البلد الأم، أو الحظر بسبب الحصص أو حدود السن.
وبالرغم من ذلك، فإن ليس كل العمال الهاربين من كفلائهم هم ضحايا اعتداء بالضرورة، بل في بعض الحالات، يعمل الأجانب لحسابهم الخاص، ولكن تحت تسجيل لدى كفلاء اسميين مقابل دفع رسوم غير قانونية لهم.

ومع كل هذه الأسباب الجانبية، لا يزال نظام الكفالة هو السبب المحوري لوجود عدد كبير من العمالة غير الموثقة في الكويت. وإذا كانت الحكومة الكويتية تسعى حقا للقضاء على الهجرة غير المشروعة، فيجب عليها أن تتناول جميع العوامل التي تؤدي إلى هذه الظاهرة بدون تمييز ولا تقصير. ولكن يرجع فشل حملات الكويت الحالية في مواجهة العمالة غير الموثقة إلى السياسات قصيرة النظر وعديمة الجدوى. ومن غير الغريب أن تنتج السياسات الكويتية غير المتوازنة إزاء هذه المشكلة نتيجة عكسية، إذ تفاقم المزيد من العمالة غير الموثقة، وهي ما تصاحبها انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان.