من أجل النهوض بحقوق العمال المهاجرين في جميع أنحاء الشرق الأوسط

الصيادون الهنود في قطر 2/3: الحياة بعد السجن

انشر Find us on Twitter Find us on Facebook Find us on ... Share this via email

"قصص من الأصل" سلسلة مقالات تستقصي تجارب حياة العمال المهاجرين وعائلاتهم. هنا الجزء الثاني من مقالة ثلاثية عن الصيادين المهاجرين من أقصى جنوب الهند

Aug 15 2016

 

قامت إيران في عام 2014 باحتجاز ساشيكومار وزملائه لمدة ثلاثة أشهر في جزيرة كيش إثر اجتيازهم حدود المياه الإقليمية بقاربهم المُرخَّص من قطر. وقمنا حينها في (Migrant-Rights.org) بالكتابة عنهم والعمل على إعادتهم إلى أوطانهم.

بعد عشرة أسابيع من الاحتجاز والضياع بين البلدين غادر خمسة صيادين هنود قطر، يوم الأربعاء 26 نوفمبر (تشرين الثاني). وأقاموا بغرفة صغيرة تضم ثمانية أشخاص في مدينة ساحلية مجاورة للدوحة، تدعى الوكرة، حيث تحدثوا إلى منظمة حقوق المهاجرين عن كابوسهم الذي ابتدأ في البحر واستمر على اليابسة في قطر، عالقين بين خلافات السياسات الحدودية وتعقيدات نظام الكفالة التي أعاقت حركتهم وتنقلهم في قطر.

كان قد مضى عام ونصف العام على إطلاق سراح ساشيكومار عندما التقينا زوجته شيلا في منزل صغير أسفل حارة ضيقة تصطف على جانبيها أكوام من السمك المجفف. وعندما تمكنّا من اللقاء بساشيكومار كان هو وزوجته ينتظران قدوم مولودهما الأول بعد طول انتظار.

ابتلعت دموع شيلا قدرتها على الكلام وهي تخبرنا عن الضغط الذي تعرضت له طيلة الأشهر الماضية التي انتهت بثبات حملها: "أخيراً تمكنتُ من الحمل بعد عشر سنين.. ثم...".

قصة ساشي ليست خفية على أهل القرية، فقد ذهب إلى قطر منذ عشرين عاماَ كي يضمن مستقبلاً لأهله وزواجاً مستقراَ لشقيقته، ومِن ثمّ ليؤسس عائلته الخاصة.

تقول ساكونثالا، عضوة منظمة الاتحاد الوطني لعمال المنازل (NDWF) غير الحكومية والمهتمة بعائلات عمال الصناعات السمكية، إن نساء هذا المجتمع تتمتعن بمؤهلات علمية عالية على نقيض الذكور. ورغم ذلك تفضّلن الزواج من داخل المجتمع وتدفعن مهوراَ عالية للزواج لقاء التزام الرجال بتأمين نمط حياة تليق بهن.

ويؤكد الأب تشرشل بالقول: "هؤلاء الرجال الذين يقضون وقتاَ طويلاَ في الخارج يُشبعون رغبات زوجاتهم بتأمين بيوت مريحة لهن، والتمتع بإجازتهم القصيرة على الشاطئ برفاهية تعوضهم بعض الشيء عن أيامهم المضنية في البحور الهائجة".

يمثل هذا سبباً بسيطاً لهجرة 60% من ذكور منطقة كانياكوماري، تعلله ساكونثالا بالقول: "عليهم الدفاع عن وجودهم نظراً إلى أن الحكومة لا تقدم لهم أي دعم، فالهجرة هي السبيل الوحيد لتأمين وضعٍ اقتصاديٍ جيدٍ. حيث تتراوح عائدات الصيد ما بين 150 و200 ريال سعودي في اليوم. ومن دول مجلس التعاون الخليجي بإمكانهم تحويل مبالغ تتراوح ما بين 30 إلى 40 ألف ريال سعودي شهرياً. وتصل إلى 100 ألف ريال في مواسم الصيد الجيدة".

ونظراً لقلة وعي الصيادين إلى حد أنهم لا يحملون معهم نسخة مصورة من جواز السفر، يقيم حالياً الاتحاد الوطني لعمال المنازل معسكراَ تثقيفياَ لتعليمهم وحثهم وعائلاتهم على حمل نسخة من جوازات السفر والأوراق اللازمة، وتجنيبهم صعوبة تأمينها في حال تعرضهم للاعتقال. إضافةً إلى المساعي الجارية لمحو أميتهم المالية بغية تجنيبهم أيضاً الوقوع في دوامة الهجرات المتتالية من أجل تسديد الديون فقط.

هل تفضل شيلا التي تتولى إعالة الأسرة من عملها بالخياطة بقاء ساشي في الهند؟

من وراء جدران منزلها، تشير شيلا إلى البحر الذي نسمع هدير أمواجه ولا نراه، قائلة: "أصيب ساشي بصدمة بعد تحطم قاربه أثناء قيامه بالصيد في عرض البحر ولم يكن هناك من يساعده حتى انتشلته سفينة شحن بحري تصادف مرورها قريباً منه بعد تمكنه من النجاة بحياته بالتشبث بإحدى القطع الخشبية. وهو الآن يخشى العودة إلى تلك البحار مرة أَخرى".

"انتظري، سأرسل له كي يتصل بنا، إنه يود التحدث إليك فاسأليه بنفسك".

سرعان ما رن الهاتف وظهر رقم إيراني على الشاشة.

فبعد أشهر قليلة من عودته، في شهر شباط من عام 2015، كان قد صعد إلى ظهر المراكب متجهاً في هذه المرة إلى إيران. فقد ساعده رجل محترم أثناء احتجازه في جزيرة كيش وقدم له عرض عمل.

 

كيش، منتجع سياحي وسجن

يقول بينجامين، أحد مُحتجَزي عجمان، ضاحكاً: "إنها جزيرة عظيمة"! بينما تتولى زوجته متابعة الحديث كلما توقف عن الكلام هازّاً رأسه وكأنه يقول: "لن أعاود الكرة أبداً".

هاجر بينجامين الى الخليج في تموز عام 2015، بعد أن دفع 35 ألف روبية. ويعيد لنا سرد ما جرى معهم عندما أبحروا في الخامس عشر من نوفمبر (تشرين الثاني): "أبحرنا بخمسة قوارب، أربعة منها تعود ملكيتها لكفيلٍ من عجمان، بينما قاربي يملكه كفيل من الشارقة. كنا نعمل في عجمان وقد اعتدنا الاقتراب من الحدود الإيرانية بغية الحصول على صيد أكثر وفرة لتجنب غضب الكفلاء وخشية استغنائه عنا.

بسبب الرياح العاتية، رسونا جميعاً على جزيرة خارج ساحل الإمارات العربية المتحدة. وهناك أعلَمنا كابتن أحد القوارب بأن كفيله قد دفع مبلغاً لحرس السواحل فأوغلنا جميعاً باتجاه المياه الاقليمية الإيرانية. حيث يحلو الجنى وتتوفر غلال السمك".

وعن طريقة عمل طاقم الصيادين في البحر تحدث قائلاً:

"يبقى الكابتن في القارب. وكل قارب مزود بثلاث طوافات يصعد عليها الطاقم عادة مع الشباك للبحث عن الأسماك، ثم تُسحب عند امتلائها إلى القارب. ويتم التواصل لاسلكياَ فيما بين الكابتن والطاقم".

في الأول من كانون الثاني انطلقوا للصيد.

"أخبرَنا الكابتن عبر اللاسلكي أنه قد تم القبض عليهم طالباً منا قطع الشباك والهرب بعيداً. إلا أن حرس الشاطئ تمكن من اللحاق بنا وإلقاء القبض على 49 صياداً. حيث كنا على متن ثمانية قوارب وتمكن ثلاثة من الهرب.

إذاً لم تكن قد تمت رشوة خفر السواحل؟

"لا أعتقد أن رشوة خفر السواحل أمرٌ حقيقي. إنما هو ما أخبرونا به لدفعنا نحو التقدم بدون خوف".

أبقت حصة ضئيلة من المؤن بنجامين ورفاقه أحياءً، لمدة ثلاثة أشهر صعبة، على متن قاربهم الراسي عند أطراف جزيرة كيش.

 

لا تعلم السلطات عن فقدان الصيادين إلا عندما نراسلها!

 

تجريم غير ضروري

بالنظر إلى طبيعة منطقة الخليج الجيوسياسية، لا يتعلق احتجاز الصيادين بسبب اجتيازهم الحدود فقط.

"خلال هذه الفترة، أرادت إيران التفاوض مع دولة الإمارات من أجل إعتاق قارب لها كان قد تم احتجازه سابقاً في الإمارات مقابل فك حجز قواربنا الخمسة، لكن دبي لم تقبل التفاوض معها معتبرة أن هذه مجرد حادثة جنوحٍ. وتم إعلامنا أنه لا يمكننا الاعتماد على المفاوضات، إنما يتعين علينا الاستعانة بالسفارة عن طريق الاخت فالارماثي، عضوة الاتحاد الوطني لعمال المنازل".

وهكذا تمت في الثالث من آذار إعادة بنجامين وزملائه إلى بلادهم.

وحسب تقديرات الأخت فالارماثي، هناك ما بين 10-15 صياداً ينتظرون إطلاق سراحهم من أًصل 70-80 صياد تم احتجازهم خلال عام 2016 وحده.

ومن جهته يعبر الأب تشرتشل عن أسفه من ضعف تأثير السفارات الهندية في دول المهجر: "كيف بإمكان العمال الاقامة في بلد لا تعرف سفارتهم فيها عنهم أي شيء! عندما يُفقد الصيادون، لا تعلم حكومتهم إلا عندما نراسلها بأنفسنا! وعندما يُلقى القبض عليهم أو يُحتجزون في الدول المجاورة يفضِّل الكابتن إعلام الكفيل مباشرة بدل إبلاغ السلطات الهندية! فلا السفارة الهندية تحترم مواطنيها ولا الهندي يتلقى الاحترام من الآخرين"!

كما يعبر عن استيائه من تجريم الصيادين لمجرد اجتيازهم الحدود:

"يجب إجراء محاكمات سريعة للصيادين الذين يُضبطون متجاوزين للحدود. إذ ليس بإمكانهم تحمل عواقب الاحتجاز والبقاء دون مورد مادي بعد انقطاعهم عن استلام رواتبهم لعدة أسابيع أو أشهر".

ولأنه على دراية تامة برغبة دول الخليج وإيران بحماية ثرواتها السمكية، لأسباب بيئية أو اقتصادية، فهو يقترح بهذا الخصوص: "إبرام اتفاقية بين دول الخليج تقوم وفقاً لمعايير لجنة حماية أسراب التونا في المحيط الهندي، بما يؤمن بعض الحماية للصيادين". على أن يكون للحكومة الهندية دور في هذه الاتفاقية، حيث أن مواطنيها معنيون بهذا الأمر".

وكذلك يقول بنجامين إنه لا يمكن الاعتماد على بحار دبي وحدها. فالمشكلة أن الصيد وفير في إيران إنما اقتصادها متردي الحال، لذلك يتجه الجميع إلى أسواق الإمارات العربية المتحدة لبيع السمك.

"لم نكن ندرك المخاطر قبل ذهابنا الى دبي. وبعد ذهابنا لم يكن لدينا خيار سوى العمل مهما بلغت كلفته. وكالات السفر تلعب دور وكيل التوظيف واستقدام العمال بدون تزويدهم بالتوجيهات أو التدريبات الملائمة".

وإلى جانب إقراره بأن لكل فرد تجربته الخاصة، يعتقد بنجامين أن الكفلاء الأفضل من مالكي المراكب الأكبر يتمتعون بخبرة أوسع.

"هل ترغب بالعودة"؟

ملوحاَ بيده بنسخة باهتة عن جواز سفر هندي مؤقت.

"لا. فأنا لا أملك حتى جواز سفر أزرق. فقط هذا الجواز الأبيض".

 

الحلقة السابقة:  الصيادون الهنود بين الشيطان وأعماق البحر