من أجل النهوض بحقوق العمال المهاجرين في جميع أنحاء الشرق الأوسط

الصيادون الهنود 1/3: بين الشيطان وأعماق البحار

انشر Find us on Twitter Find us on Facebook Find us on ... Share this via email

"قصص من الأصل" سلسلة مقالات تستقصي تجارب حياة العمال المهاجرين وعائلاتهم. هنا الجزء الأول من مقالة ثلاثية عن الصيادين المهاجرين من أقصى جنوب الهند.

Aug 7 2016

 بشيء من المزاح يقول الأب تشرتشل "هذه القرية مليئة بعديمي الأسنان وعديمي النفع"، قاصداً كبار السن والأطفال في قرية موتون.

وبالفعل لا تشبه قرية موتون الساحلية الفاتنة قرى الصيد الأخرى في كاناياكوماري، أقصى ولايات الهند الجنوبية. فلا أكواخ على شاطئها ولا صفوف مراكب، ولا حتى تفوح فيها رائحة السمك. كل ما هنالك هبّات هواء مالح تتغلغل في نهارات الصيف الرطبة.

البيوت هنا إسمنتية ذات ألوان برّاقة، ومداخل صغيرة، وشوارع ضيقة، ونوافذ واسعة مفتوحة على المحيط الهندي. والضيافة غامرة حيث يُستقبل الضيوف بالكعك والشاي المحلّى. تتنافس فيما بينها على التباهي بظفر غزوات رجالها في مياه الخليجين العربي والفارسي. أولئك صيادو البحار العميقة المعتادون على قضاء الأسابيع بعيداً عن برّ الشطآن، لا يدرون ولا تدري عائلاتهم ما إذا كانت آلهة البحر ستعيدهم سالمين.

يتعاون رئيس اتحاد الصيادين في جنوب آسيا، الأب تشرتشل وزملائه، على العمل الاجتماعي في تلك المقاطعة لمساعدة المحتاجين وتمكين مَن تبقّى.

اعتنق معظم أهالي هذه المناطق المسيحية، ذلك الدين الجديد، إلا أنه امتزج بخرافاتهم وتعاليم معتقداتهم السابقة، فالإلهة التي تحميهم وتقرر مصيرهم في عرض البحر تتجسد في هيئةٍ يسوعية مرتدية الساري الهندي الابيض.

بلا مبالاة تقول ريتامال: " لا نخشى البحر، الحياة أو الموت، قدرنا محكوم بملح المحيط".

وهذا البحر امتداد متسع بلا حدود بالنسبة لأبنائها الأربعة في منطقة الخليج أو بالنسبة لبقية عائلات أهالي الساحل. إذ لا يعرف الرجال شكل حياة أخرى، ولا ينشدون حياة سواها، رغم القلق والحنق اللذين يعتريان النساء أثناء تواجد رجالهن في عرض المحيط الهندي أو بحر العرب.

ومن الصعوبة بمكان أن تجد رجالاً متيني البنية قادرين على العمل يتجولون على دروب القرى الصغيرة بمناطق أقصى الجنوب الهندي. ومَن تصادفه هو إما رجل يقضي إجازته أو رجل ينتظر فرصة للهجرة.

إنما ترى النساء، والأطفال (عديمي النفع) وكبار السن (عديمي الأسنان) الذين يرحبون بك بلهفة المتشوقين لمن يشاركونه قصص وصور أحبائهم، أو لإلقاء نظرة خاطفة على وافر التحويلات المالية الواردة من أقربائهم في المهجر.

 

نادراً ما تقع عينك على رجل قادر على العمل هنا. والقلة الذين تصادفهم إما يقضون إجازاتهم في الوطن أو ينتظرون فرصة هجرة من البلد

 

ثراء مضلل!

وهكذا فإنك ترى شوارعاً ذات بيوت يغلب على مظهرها طابع الترف والثراء بما لا يتناسب والإمكانيات المادية لغالبية قاطنيها. حيث يعود الرجال من جديد إلى موانئ دول مجلس التعاون الخليجي مثقلين بالديون والقروض العقارية، وآخر ما يقلقهم أنواء البحر وتقلباته في ظل احتمال وقوعهم في قبضة خفر السواحل الإيراني وخفر سواحل دول الخليج العربي. فخلال العقد الأخير تم احتجاز آلاف الصيادين وإجبارهم على دفع غرامات مالية باهظة، ورغم ذلك لم يتوقفوا عن الهجرة.

في ركن من أرض واسعة يعكس منزل ريتامال المكون من عمارة إسمنتية بثلاثة طوابق مزينة ومزودة بوسائل رفاهية تفوق التصور آثار هجرة أبنائها إلى السعودية خلال السنوات الثلاثة عشر الماضية.

"يعتبر القراصنة وحرس الشواطئ بالنسبة لنا مشكلة واحدة" هذا ما ذكرته ريتامال بتكرار يؤكد أقوال أناس آخرين قابلناهم وتحدثوا إلينا عن الموظفين الحكوميين واللصوص باعتبارهما واحداً. "فمن الممكن أن يتم توقيفنا وزجنا بالسجن وحتى قتلنا بيد أي منهم دون أن يتعرض أحد لأية مساءلة"!

إدوارد، كان يعمل لدى نفس الكفيل في المملكة العربية السعودية طيلة السنوات العشرة الأخيرة. وتعقّب زوجته ليزي قائلة: "الكفيل رجل طيب، إلا أن المخاطر كبيرة في البحر. يأتي القراصنة ويستولون على كل ما تقع أيديهم عليه في القارب، ويتعرضون للرجال بالضرب أحياناً، إلا أنه لم يعتقل"، وبعد صمت برهة تضيف مستدركة "ليس بَعد".

أما أصغر أبنائها العائد من السعودية المصرّ على عدم ذكر اسمه أو تصويره متمتماً بأن "عليَّ العودة إلى ظهران، ولا أريد أن أسبب الإزعاج لكفيلي"، فيضيف "نحن نتسلم أجورنا كل شهرين، ويعطينا الكفيل حصة مما نصطاده، وهي ليست كبيرة مقارنة ببعض الكفلاء الذين يرفعون تلك الحصة إلى 60%، لكن المخزون السمكي يتضاءل وتجارة الأسماك تنهار بشدة".

إذاً هل من الأفضل عدم مغادرة الهند؟

تقدم والدته الإجابة، عوضاً عن أبنائها وعن كافة عمال قطاع الصناعات السمكية المهاجرين: "ملح البحر حياتنا. وليس بمقدورنا العمل على الشاطئ".

وبالفعل يعاني مخزون سواحل الهند السمكي من التضاؤل منذ عقود، ولا توظف الدولة ما يكفي لحماية التجارة والعاملين في القطاع عموماً (المزيد عن هذا الموضوع في الجزء 2).

وكما أشار الأب تشرشل، لا توجد مرافئ كافية ولا يوجد سوى ميناء خاص وحيد في "موتوم"، حيث يُحضر الصيادون المجهَّزون بقوارب معداتها آلية صيدهم ويقومون بتجارتهم.

ولأنه يكاد لا يخلو بيت في الشارع الذي تقيم به ريتامال من فردٍ يعمل في الخليج، من الشائع سماع القصص التي تتحدث عن صعوبات العمل في البحار الغريبة.

فعلى سبيل المثال، تقول بونسلي زوجة فينوي الذي عمل في السعودية لمدة خمس عشرة سنة، "يأتيه الناس طلباً للنصيحة مع أنهم على دراية تامة بالمشاكل هناك!... غير أن الأمل يحدوهم دائماً بأن الأمور سوف تتحسَّن. ومتى قرر المرء الانطلاق لن يستطيع التوقف".

وفقاً للنساء اللواتي التقيناهن، مَن لا يستطيع كسب عيشه بعيداً عن الشواطئ الهندية يحاول كسبه داخلها. إلا أنه ليس بالعمل المحبب لهم أداؤه. فـ "عمل الشاطئ" تعبير فضفاض واسع لا يمت إلى العمل البحري بأية صلة.

الاعتقال والاحتجاز

أثناء ابتعادنا عن منزل ريتامال تخبرني هيلينا التي كانت دليلتي خلال هذا اليوم أن الصيادين يذهبون حيث يوجد السمك دون تمييز للحدود، "جميعهم يقعون تحت ضغط ضرورة الحصول على صيد وفير آملين أن تعينهم آلهة البحر على النجاة هذه المرة".

روبين، زوج هيلينا، سافر إلى عجمان في شهر مايو (أيار) عام 2015، بعدما ساعده "كابتن" من القرية بتأمين تأشيرة السفر. الكابتن عادة هو الذي يختار ويوظف طاقمه المؤلف غالباً من أفراد عائلته وأصدقائه، ويتقاضى بالمقابل "رسم توظيف".

"حاول الصيد هنا. لكنها عملية مضنية في ظل عدم وجود منشآت للصيد بالشبك أو الرسو... إضافة إلى البقاء بلا عمل لمدة ستة أشهر تقريباً، تكفي لإغراقنا بالديون. وفي بقية العام قد نجني ربحاً يعادل خمسمائة ريال سعودي في الأسبوع، ويصل أحيانا إلى ما يعادل ألفي ريال. ليس هناك ضمان".

ويُذكر أن روبين كان واحداً من 49 صياداً أُلقي القبض عليهم أثناء عبورهم المياه الإقليمية بين الإمارات العربية المتحدة وإيران. وثمانية منهم ينحدرون من بلدة موتوم وحدها.

استقبلتنا سوبيدا وبيدها مجموعة من الأوراق، وثائق قرض المنزل ونسخة عن جواز سفر زوجها سيلان وكشف علامات ابنتها. ويوم التقيناها كان قد تم إطلاق سراح سيلان ورفاقه بعد احتجازهم في قطر لمدة ثلاثة أشهر.

يعمل سيلان في قطر منذ 19 عاماً، وهذه ليست المرة الأولى التي يحتجز فيها. وحسب قولها "لكن الأمر كان مختلفاً في هذه المرة، إذ لم يعبروا الحدود. أخبرهم حرس السواحل بأن لديه بعض الأسئلة لهم طالباً منهم العبور، ثم قام باحتجازهم". وأردفت بالتخمين "أظن أن الحرس يتلقى ترقية مقابل القبض عليهم".

"دفع الكفيل غرامة خمسة آلاف ريال سعودي عن كل فرد منهم، ويترتب عليهم الآن تسديدها قبل عودتهم. ولا عودة لهم دون ذلك".

أي أن ثلاثة أشهر من الاحتجاز في قطر وفوقها أشهر عديدة لسداد قيمة الغرامة تعني مزيداً من إغراق العائلة بالديون.

"ابنتي طالبة مجدة، ترتاد معهداً متوسطاً لتعليم اللغة الإنكليزية، وهذا أوان تسديد رسوم المدرسة وقسط قرض المنزل أيضاً. من الصعب جداً تدبّر أمرنا، إلا أنه سيتم منحنا قرضاً مصرفياً بضمانة عملهم في الخارج حتى ولو لم نكسب ما يكفي لتسديد الدين المترتب علينا بارتياح".

هكذا تحدثت بينما صوتها ذو النبرة القوية يعاند الدموع المنهمرة على خدَّيها.

يبدو أنه في هذه القرية وحدها، وفي أية لحظة، توجد عائلة على الأقل تنتظر ورود خبر عن إلقاء القبض على أحد أفرادها.

 

تصوير: باتابي رامان

 

(الجزء الثاني: الحياة بعد السجن)