من أجل النهوض بحقوق العمال المهاجرين في جميع أنحاء الشرق الأوسط

قصص من الأصل: أحلام المهاجر عن العودة

انشر Find us on Twitter Find us on Facebook Find us on ... Share this via email

“قصص من الأصل" سلسلة جديدة من Migrant-Rights.org تستكشف تجارب المهاجرين العائدين وآخرين يتأهبون للرحيل. محطتنا الأولى في نيبال والتي يتوجه منها ١٥٠٠ شخص كل يوم إلى إحدى دول الخليج.

Jul 21 2015

سرنا في طريق واعرة وعبر منزلقات صعبة للوصول إلى بيوت بنيت بين أعماق التلال. يمتزج صوت خرير الماء على قرب من مسامعنا برائحة الهواء النظيف بينما يلعب أطفال القرية تحت شجرة ضخمة يسمونها ساحة القرية.

توقفنا عند بيت مانيبراساد الذي عاد إلى يامبابانت قبل ٧ شهور بعد قضاء ٦ سنوات في السعودية.

عملت في كافتيريا في أبها. وعدوني بتوفير الأكل والمسكن لكنهم لم يعطوني شيئاً سوى مرتبي.”

كان مانيبراساد قد وصل إلى السعودية عبر الهند، وهو طريق يتخذه الكثير من المهاجرين لتجاوز برامج التدريب والارشاد المعتادة في الهجرة النظامية. يرى مانيبراساد أن تجربته في الخليج كانت مريرة، يكنس الهواء بإيماءة من يده ليصف ما حققه في تلك السنوات: بيت صغير متواضع.

هل تعمل الآن؟ هل لديك تجارة؟"

لا شيء، فقط..”

هل تشارك الآخرين تجربتك؟"

لا أقول شيئاً. لا أنصحهم بالهجرة ولا العدول عنها.”

أطياف العودة

لا أجد في تردد مانيبراساد تصرفاً غريباً فالكثير من العائدين يفضلون الابقاء على صورة النجاح تلك التي تخيلوها قبل هجرتهم.

لكن رافيندرا براساد أكثر صراحة في نقده بعد أن قضى عامين في قطر قبل عودته عام ٢٠١١.

يقوم رافيندرا بتقديم بيته الصغير لنا حيث بيت الطيور والراديو المشوش الذي يبقي فراخ الطيور سعيدة وهادئة. يتحركون كفاية لكنهم يفتقرون المساحة الشاسعة للمرح. يفخر رافيندرا بصناعته هذه الباحة المفتوحة للطيور والدواجن.

عملت نادلاً في مخبز بمرتب سيء لم يتجاوز الـ ٧٠٠ ريال ($١٩٠). قدموا لي المسكن لكنهم لم يوفروا الطعام لي. عملت ١١ ساعة كل يوم على الرغم من أن العقد ينص على ٨ ساعات عمل يومية. وعن كل ٣ ساعات من العمل الاضافي، تحصلنا على مقابل عن ساعة واحدة فقط.

يخاطبني رافيندرا بصوت عالٍ ليستمع الشاب الحالم بجانبي لنصيحته: “لو عملت بذات الشقاء هنا لكنت تحصلت على المزيد من الأموال. هذا ما أقوله لأهل القرية هنا.”

صرفت ١٠٠ ألف روبية (١٠٠٠$) للوصول إلى قطر. حصلت على قرض وقضيت ٨ شهور أعمل على تسديده لأتمكن بعدها من توفير بعض المال من أجل مشروعي الخاص.”

لا يحاول رافيندرا تجميل الكلمات: ”أظن أن الناس هنا لا يريدون العمل كثيراً. قررت الاستثمار في مشروعي بدلاً من صناعة بيت. قرار اتخذته مع زوجتي. يسألني أطفالي أحياناً إن كنت سأعود إلى الخليج كما يحصل مع آخرين في قريتنا. إلا أنني لن أعود أبداً إلى ذاك المكان".

الكثير منّا يضيع الوقت بانتظار فرصة في الخارج.”

كلام رافيندرا صحيح فالكثير من العائدين الذين التقيناهم يجلسون لشهور في بيوتهم بانتظار فرصة هجرة أخرى فلا يرى الكثير منهم فرصة في العمل محلياً.

كان سومبراساد الذي استضافنا في بيته أحد العائدين من الخليج. يقول سومبراساد أن العائدين لا يملكون خططاً طويلة الأمد بل يفقدون الأمل بعد الفشل.

يهاجرون من أجل أجر ثابت فهنا لا تقدم لنا الحكومة أي دعم لإنشاء مشروعاتنا وبالتالي تحصل الهجرة بشكل مستمر.”

التقينا برجل آخر يبحث عن الهجرة. جانغا براساد لم ينجح في مشروعه، لذا قرر البحث عن وظيفة في الخارج. رجل صغير وقصير بجسد قوي يستطيع رفع مقعد بيد واحدة ويقدم لنا الكراسي لنجلس قبل أن يحكي قصته.

هرب جانغا إلى الهند حينما كان طفلاً وعمل هناك لـ ١٥ عاماً. وفي شبابه، عمل في قطر لسبعة أعوام منها خمسة لصالح شركة قطر للأسمدة الكيماوية. يضع جانغا كل وثائقه وبطاقات الهوية ورسائل التوصية بترتيب دقيق في ملف.

عملت لصالح شركة للحراسة تقوم بتزويد الشركات بالموظفين. لم يدفعوا لي الكثير وكنت قد دفعت ٨٠٠ دولار للحصول على تلك الوظيفة.”

كان مرتب جانغا في قطر ٨٠٠ ريال ثم صار ألف ريال في الفترة الأخيرة من اقامته.

كيف يمكنني التوفير إن كان الطعام غالياً وتحتاج لأكل جيد. لا يوجد الكثير لتوفيره. نيبال غالية وبالتالي ما أقوم بارساله تقوم العائلة بصرفه. لكنني كنت كثيراً ما أحاول العمل بشكل إضافي من أجل المزيد.

لاحظ جانغا أن آخرين يعملون في وظائف مشابهة لتلك التي عمل فيها ولكن لصالح جهة مثل "قطر للبترول" تحصلوا على أجور أفضل بكثير من أجره.

"يحصل هؤلاء على مرتبات بين ألفين إلى ثلاث آلاف دولار شهرياً لكن وظيفتي لم تكن بتلك الجودة وظروف العمل سيئة، يحيطنا التلوث طوال الوقت... والنار والموت."

عمل جانغا ١٨ إلى ٢٠ ساعة يومياً وفي أحيانٍ أخرى تمتد نوبات العمل لـ ٣٦-٤٨ ساعة دون توقف.

إن غاب عامل لا يسمح لي بإنهاء نوبة العمل بل مفروض علي أن أستمر أو أنهم سيختصمون مبلغاً من مرتبي.”

حاول جانغا تقديم شكوى ضد جهة عمله بعدما حاولوا التهرب من ارساله في إجازة طال انتظارها إلى بلاده.

كان الحكم لصالحي ودفعت لي الشركة مبلغاً صغيراً. حسب العقد، من المفروض أن أتحصل على ٨٠٠-٩٠٠ ريال ولكن حتى بعد العمل لوقت اضافي، لا أحصل على أكثر من هذا المبلغ.”

الناجون والموتى

لم يكن المال السبب الوحيد لرغبته في ترك قطر.

يحكي جانغا: “لم أكن سعيداً. ذات يوم، عاد صديقي ذي الـ ٢٦ عام من يوم عمل طويل ودخل لينام ولم يستيقظ بعدها. لحظتها قررت الرحيل، لم أستطع البقاء بعد ذلك.”

يشرح لنا جانغا موت شخص في شبابه. “ساعات عمل طويلة. الطقس الحار. كما أننا تشاركنا غرفة صغيرة فيها ١٢ من العمال. لا يمكنك النوم بشكل جيد: أحدهم يستيقظ، آخر يشخر، وثالث يتحدث أثناء نومه. تشعر بالنعاس والتعب طوال الوقت. أظن أن هذه أسباب كافية للموت؟"

ربما.

يضيف سومبراساد:

انظري إلى حياتنا هنا. نادراً ما نرى سيارات أو شاحنات. لا يوجد تلوث هنا. مستوى النظافة مختلف. الأكل والشرب متوفران بسهولة. ثم نهاجر إلى هناك وكل شيء يختلف. لا نعرف كيف نعبر الطريق السريع أو استخدام الحمامات. ولا نحصل على أكل أو مياه صالحة. تصبح الحياة صعبة.

بعد عدة أيام، التقيت بمينا كونور وبافارا آياري في كاتموندو. مينا في الثلاثينات من عمرها لكنها تبدو أكبر بينما بافارا في سن الـ ١٨ لكنها تبدو طفلة. أغلى ما يمتلكون هي الأوراق التي يحتفظون بها في حقائبهم المهترئة. إنها شهادات وفاة أزواجهم.

سافرتا ليوم ونصف من مقاطعة ساليان للحصول على تعويض. توفى ديلي باهادر كنور في قطر قبل عامين. لم يحصل على تعويض من صاحب العمل لأنه "توفي خلال نومه.” ترك خلفه زوجة وخمسة أطفال. ستقوم إدارة الترويج للهجرة في نيبال بتعويضها ٩٠٠٠ دولار.

كنت قد تحدثت معه في الصباح الخامس من عيد الدوشيرا. حاولنا محادثته ثانية ليلتها لكنه لم يرد. كانت صحته جيدة وقد قضى وقتها ٧ أشهر في قطر. أرسل لنا ٢٤ ألف روبية فقط. كنا قد دفعنا ٩٥ ألف روبية للوسيط من أجل هذه الوظيفة. بالتالي، سأصرف هذا التعويض في دفع الديون.

الخطوة القادمة؟ يحاول ابنها ذي الـ ١٨ عاماً الحصول على عمل في الخارج. الدائرة لا تتوقف.

أما زوج بافارا، نار بادور آياري، فقد قضى ٣ أشهر في السعودية قبل أن يتم ترحيله بسبب تدهور صحته. بعد وصوله بأسبوعين، توفي في سن الـ ٢١ عام.

كان بصحة جيدة قبل رحيله حتى أن الفحوصات الطبية كلها جيدة. إلا أن حياته هناك أصابته بعدة مشاكل صحية.” هذا ما قالته أرملته عن زوجها الذي تزوجته قبل ٦ شهور فقط.

بعد الموت

يحاول بورنا باهاردر بودا شرح حالات الوفاة هذه. كان بورنا قد عاش في الخليج مسبقاً ولكنه يعمل الآن بمثابة مستشار اجتماعي يساعد عائلات المهاجرين في القرية.

يعمل المهاجرون في الطقس الحار ثم يدخلون إلى غرف مكيفة. يؤثر ذلك على صحتهم بشكل كبير. كما أنهم لا يحصلون على قسط كاف من النوم. ثم يموتون.”

لا يملك أحد تفسيراً أفضل من ذلك. حتى الأطباء في قطر يجدون في وفاة العمال الشباب متاعب متعلقة بالقلب. واضح أن قلة النوم وأوضاع العمل والحياة السيئة تساهم في تدهور صحتهم.”

لا يستطيع بورنا العمل في الخارج بعد الآن بسبب وضعه الصحي.

في ٢٠٠٨، ذهبت إلى قطر من خلال إحدى مكاتب التوظيف التابعة لوزارة العمل. دفعت مبلغ ٩٥ ألف روبية. عملت لشركة هونداي ودفعوا لي مرتبي في وقته لمدة ١٩ شهراً لكنهم لم يدفعوا لي المبلغ المتفق عليه، فبدلاً من ٦٠٠ ريال شهرياً، حصلت على ٤٧٢ ريال فقط. لو حاولت العمل في نوبات لـ ٢٤ ساعة خمس مرات في الشهر مع العمل لـ١٤ ساعة يومياً في الأيام العادية، سأحصل حينها على ١٣٠٠ ريال. إلا أن هذه مهمة شاقة تعني النوم لمدة ٤-٥ ساعات فقط.

تدير نيرمالا ثابا سكرتارية إدارة معلومات العمل في الخارج. أخبرتنا أن هنالك جثتان أو ثلاثة تصل إلى نيبال كل يوم. “نحاول تقديم المساعدة والتعويض إلا أننا محدودين في تحركاتنا في الخارج فالدول المستقبلة لا تتعاون معنا.”

سبق وأن أثيرت هذه النقطة خلال زيارة وزير العمل القطري إلى نيبال.

ما لا يقل عن ٧٠٪ من المهاجرين النيباليين الذين توفوا في قطر لم يتم تعويض عائلاتهم. خلال السنوات الأربعة الماضية فقط، توفي ٦٨٤ من العمال النيباليين في قطر حسب إحصائيات إدارة معلومات العمل في الخارج. قدمت الإدارة تعويضات لعائلات ٢٠٥ من المتوفيين خلال عامي ٢٠١٣-٢٠١٤ و١١٠ خلال عامي ٢٠١٢-٢٠١٣ و١٣٠ في ٢٠١٠-٢٠١١ و١١٤ في ٢٠٠٩-٢٠١٠ إلا أن حالات الوفاة أعلى من هذه الأرقام.

تضيف نيرمالا على عجل: “علينا أن نرى الفرص أيضاً. لا المشكلات فقط.”

أغلب الأطراف ترى الفرص إلا أن المهاجرين العائدين يملكون صورة واضحة عن تحديات وواقع الهجرة.

دال سنج ماغار عائد آخر يقدم الاستشارات. يقول دال "عشت في قطر خمسة سنوات عملت فيها لصالح شركة بحرية. قضيت عامين في البناء وعاماً في السفن وعامين داخل الشركة.”

يقوم دال الآن بتقديم النصائح لمن يخططون للهجرة من خلال ارشادهم وتثقيفهم حول الحياة التي تنتظرهم في الخارج.

هل يستمعون له؟ "الكثير منهم يأخذون بالنصائح. أخبرتهم أن الطقس حار جدا ولا يوجد ماء جيد. عليهم تجنب المشروبات السكرية لأنها تضر بصحتهم خاصة أنهم غير معتادين على هذا النوع من الحياة. أسوأ ما في قطر المساكن حيث يضطر المئات من العمال تشارك حمام أو حمامين.”

نقدم معلومات أفضل من تلك التي توفرها مكاتب الارشاد، ومن بين ذلك قوانين الدول المستقبلة، تعويضات العمل وغيرها. كما نحاول ربطهم بأشخاص وجهات موجودة هناك عند وصولهم.”

نصل هنا إلى أكثر المراحل فوضوية وهي مرحلة الارشاد والاستقدام.

الحلقة السابقة: قصص من الأصل: حياة المهاجر قبل الرحيل وبعد العودة

الحلقة التالية: استقدام أم تجارة بالبشر؟