من أجل النهوض بحقوق العمال المهاجرين في جميع أنحاء الشرق الأوسط

عن سوريا النازحة إلى لبنان

انشر Find us on Twitter Find us on Facebook Find us on ... Share this via email
May 5 2014

ياسر الزيات *

قبل أيام قليلة انطلقت على الفيسبوك "الحملة الوطنية الشعبية ضد الوجود السوري في لبنان"، وقبل أيام أٌقلّ نجحت "الحملة الداعمة للسوريين بوجه العنصرية" في إغلاق صفحة الأولى وإعلاء الصوت الرافض للعنصرية في لبنان، وبين هذه وتلك تفاصيل كثيرة للمشهد السوري في لبنان تضيع في زحمة السجال.

تعود عبارة "الوجود السوري" إلى زمن الوصاية البعثية على "القطر اللبناني الشقيق" (1975-2005)، يوم كانت "سوريا" عدوّاً معلناً في هذه البلاد. العلاقات لم تكن مثالية يوماً بين الشقيق والشقيقة الكبرى، فمنذ انفصام بلاد الشام، قبل بضع وتسعين سنة، سوريا العربية كانت الآخَر الذي تأسّست ضدّه أسطورة لبنان الكبير: نحنا مش سوريين، مش عرب، مش بدو... ولم تقصّر سوريا إيّاها في قضّ مضاجع الدولة اللبنانية بعد حين، إن بتسليح المدّ الشعبي الناصري في وجهها أو بدعم الفدائي الفلسطيني الذي بزغ نجمه بعد النكسة... لكن لا شيء برأيي وتّر العلاقة بين البلدين أكثر من العسكريتاريا المتعجرفة التي حكمت البلاد ثلاثين سنة، قاتلت فيها الجميع وأذلّت الجميع وتحكّمت بحياة وموت الجميع، وطبعت في قلوب اللبنانيين صورة شديدة السواد عن "سوريا"، سوريا المندوب السامي والعسكر والمُخبرين والرشاوى، والمجنّد الذي يفتّش الهويّات ويؤشّر بحذائه وهو يحرّك قوافل السيّارات على الحاجز.

كان إلى جانب جيش الانتداب السوري جيش من العمّال والكادحين السوريين، ممّن وجدوا في لبنان فرص عمل وهجرة لا بأس بها، وبينما كان الجيش الأول طاغية لا يجرؤ عليه أحد، كان الثاني "ملطشة" للعنصريين اللبنانيين على الدوام، فعدا الأجور الرخيصة، وساعات العمل الطويلة، وغياب الضمان الصحي والاجتماعي، كان هناك الكثير من التعالي والامتهان والصور النمطية، فضلاً عن التنكيل والضرب وحتى القتل في بعض الأحيان العصيبة.

جئتُ إلى بيروت قبل ثلاث سنوات ونيّف، ولم تكن سوريا هنا أكثر من عسكري "أبو شحاطة" وعامل "شرشوح" وقلعة للمقاومة وباب الحارة.

ثم كان ما كان في آذار 2011، وبدأت ترتسم خطوط الفصل بين سوريّات كثيرة سيسمع بها لبنان بالتدريج ثم سيعاينها في السنوات القليلة التالية. وكما تفاجأ السوريون بأنفسهم وتعرّفوا هم إلى مدنهم وأسمائهم وأحلامهم وأصواتهم، كان أولى باللبنانيين أن يتفاجؤوا، حيث راحت كلمة "سوريين" تتوسّع دلالاتها عندهم، وتبدّى لهم لأول مرة شعب سوريا بأطيافه الشتّى، من السوري المعارض إلى السوري العادي إلى السوري الرسّام إلى السوري الذي يُجيد لغة أجنبية دون أن يكون قد تعلمها في لبنان! وكثيرين غير هؤلاء.

مع الوقت، سوريا الملقّبة بـ"مملكة الصمت" صارت إقطاعيات من الضجيج والنار والهاربين، أما لبنان فقد كُتب عليه أن تبتلعه سوريا في حربه الأهلية ثم في حربها الأهلية، لا سوريا القوية الموحّدة تركته ولا سوريا الضعيفة المفكّكة الدامية.

بقي المجتمع اللبناني مشتّت الهوى تجاه سوريا النازحة إليه، وكذلك الدولة، حيث تراوحت لغة مسؤوليها بين الدعم والتفهّم من جهة والفاشية المسعورة من جهة أخرى، وإن كان للأخيرة صوت وضوء وضوضاء. لبنان الرسمي بقي يسمّي سوريّيه نازحين، ورفض منحهم صفة اللجوء هرباً من التبِعات القانونية لذلك. ورغم أنه البلد الوحيد الذي فتح حدوده أمام "النازحين"، إلا أنه لم يكفّ عن تقييد الحركة على حدوده وتفتيش أوراق العابرين على حواجزه وملاحقة المقيمين غير الشرعيين على أرضه.

لم يتشكل للسوريين في لبنان "مخيّم" على الطريقة الفلسطينية، ولا يبدو الأمر عفوياً أو سببه مجرّد اختلاف الزمان، خصوصاً بالنظر للتبعثر غير البريء للسوريين في كل ناحية، ولكلام الأمم المتحدة المستمرّ عن حلّ الأزمة بالمخيّمات وعن انتظارها "القرار السياسي" الذي لا بدّ منه قبل ذلك. ومع اقتراب إعلان السوريين أنفسهم "الطائفة" الأكبر عدداً في لبنان، تبقى هذه الجماعة الضخمة بلا جامع يجمعها ولا مركز جذب سياسي يقوم على شؤونها، ليضاف إلى تبعثرها المكاني تبعثر سياسي واقتصادي واجتماعي ونفسي.

يسهل في هذا السياق اجترار الحديث عن "المعاملة السيئة" التي يتلقاها سوريّو لبنان، أما الأدلة فكثيرة: حظر التجوّل المسائي جنوباً، حرق خيم اللاجئين شمالاً، استغلال ظروف العمّال في كل مكان، اتهامات بالسرقة والاغتصاب وابتلاع البلد كلما دقّ الكوز بالجرّة، الضغط الأمني والرعب الطائفي المستمرّ، الابتزاز الجنسي المعتّم عليه، والمدارس والمراكز الصحية الرافضة استقبال السوريين والسوريات، ولا ننسى طبعاً هنا التصريحات العصماء لجبران باسيل... وكل ذلك عنصرية فجّة ومُدانة بشدّة، لكنها لا تلخّص كامل المشهد.

العنصرية في لبنان قضية عويصة، لا يمكن اختزالها في ثنائية سوري-لبناني أو اعتبارها ذات اتجاه واحد، بل هي شبكة معقّدة من علاقات السلطة والكراهية والبؤس بين سكّان هذا الكيان الشائه، وطبعاً لا يمكن إغفال الآسيويين والأفارقة والفلسطينيين والنساء من حبال هذه الشبكة. كما لا يمكن فصل "العناصر" عن الطوائف في لبنان، فسائق التاكسي الذي سيوبّخك لأن مواطنيك السوريين "خربوا البلد"، أو الذي سيلعن روح حافظ الأسد بغضّ النظر عن رأيك فيه، أو الذي بكل أسف سيصوّر لك لبنانه ساحة صراع بين "الإسلِام" (أي السنّة والشيعة)، لا تملي موقفَه هذا أو ذاك أية اعتبارات عنصرية، بل انتماءات طائفية وسياسية بحتة. من المسلّي في الخبصة اللبنانية لو يفصّل المرء قليلاً في أشكال العنصرية، فيتكلم عن عنصرية مارونية وعنصرية شيعية وعنصرية سنّية وعنصرية درزية... ستكون لعبة سوسيولوجية مسلّية لكنها ليست سوى لعبة.

يبقى أن لبنان دفع جرّاء المأساة السورية ثمناً أبهظ مما يستطيع. هذه حقيقة تغفل عنها للأسف سرديات "لبنان العنصري" و"سوريا التي استقبلت اللبنانيين في 2006" و"السوري مش عدوّك"... لن تكفي المكابرة على الواقع الفاقع ولا الإدانة الجوفاء للتوتّر والكراهية، فلا بدّ من البحث عن مضخّات العنف والشقاء والتفكير في حلول أعمق من مجرّد "التآخي" و"الحبّ" و"عيب يا شباب". كما لن يفيد الردّ على خطاب العنصري يعادي السوريين بخطاب عنصري يسخر من اللبنانيين. لبنان بلد منخور وما فيه يكفيه، ولا بدّ يُتعبه آلاف القادمين إليه كل يوم، وأكثريتهم الساحقة لن تغادره عبر مطار رفيق الحريري، وهو مع ذلك قد بذل للسوريين الكثير، وتحمّل أهله من أجلهم الكثير، ويمكنني المجازفة بالقول إنه، بالنظر إلى حجمه وإمكاناته ومآسيه، أكرمُ دول الجوار السوريّ مع السوريّ.

أما السوريون في لبنان فليسوا محض مشرّدين ومنكوبين، كما تصوّرهم كليشيهات اللجوء وبعض كليشيهات التضامن. هناك سوريا كاملة في لبنان الآن، مجتمع مليوني يوازي المجتمع اللبناني ويقاسمه الاجتماع والاقتصاد والثقافة والهموم.

بلى هرب سوريون من الموت، وهرب آخرون من القصف والجوع والعراء، لكن هناك ناشطون هربوا من الاعتقال، وشباب هربوا من البطالة، ومترفون هربوا من "المشاكل". ومن السوريين من استأجر شقّة فخمة وواصل فيها حياته كمن ينتقل في دمشق من المزّة إلى المالكي، ومنهم أصحاب مطاعم و"ماركات" افتتحوا فروعاً لهم في المهجر القريب، وهؤلاء نقلوا أموالهم وسياراتهم ومدارس أبنائهم ومناطق التسوّق المفضّلة لدى زوجاتهم. ومن السوريين من صعد طبقة أو طبقتين أو عشراً بفضل منظمات لاحكومية سخيّة وبزنس مزدهر في الإغاثة والإعلام. ومنهم من هبط طبقياً لكنه ما زال يعيش ويكافح ضمن المتاح. ومنهم "عمّال جدد" غير الذين اعتاد على امتهانهم لبنان: شباب من الطبقة الوسطى ليس في وجوههم ملامح غربة ولا في سيرهم الذاتية تلك الاختصاصات الشاقّة لجيل العمّال القدامى. ومنهم طلّاب وكتّاب ومخرجون وموسيقيو شوارع وروّاد بارات، وأطفال لا قصص لهم يكتفون بالتسكّع وبيع الورود على إشارات المرور.

لم يعد يمكن لبنانياً صبّ السوري في أيّ قالب عنصري أو صورة نمطية حدث أن تجاوزتها السنوات الأخيرة تماماً، كما أن "اللقمة التي يسرقها السوري من فم اللبناني" يقابلها انتعاش اقتصادي نسبي سببه المستثمرون والمستهلكون والمستأجرون، والسوق التي حرّكها الوافدون الجدد بعد كساد سياحي غير مسبوق. هذا عدا ديناميات التفاعل الثقافي والصحافي والمسرحي والسينمائي بين السوريين واللبنانيين، إن لم نقل بين السوريين والسوريين، وكل هذه قضايا يجدر بعلماء الاجتماع والاقتصاد دراستها ودارسة آثارها على المجتمعين المحشورين في هذا البلد الضيّق.

مشكلة السوريين مع لبنان ومشكلة اللبنانيين مع السوريين هي البؤس الذي يلفّ هذا الوطن الممزّق، أما المأساة السورية والعنصرية اللبنانية فكلاهما عرَض لذاك المرَض. وبينما لا أمل من التعويل على أي نخبة سياسية، كما ثبت أنه لا أمل من التعويل على أي ثورة سياسية، سيبقى الشعبان المقيمان في قلب الشرق الأوسط بانتظار الفرج، أو، للمحظوظين فقط، الفيزا!

* مدوّن وطالب علم اجتماع مقيم في بيروت