من أجل النهوض بحقوق العمال المهاجرين في جميع أنحاء الشرق الأوسط

Header image

مهارات عالية بلا تقدير: الصيادون الهنود بين طرفي الهجرة

انشر Find us on Twitter Find us on Facebook Find us on ... Share this via email

في الجزء الأخير من ثلاثية "الصيادون الهنود" نسلط الضوء على عجز الأنظمة الحكومية الذي يُضعف من أحوال الصيادين ويجعلها أشد قسوة عليهم من أنواء وتقلبات البحار، سواء في الدول المصدّرة للعمالة أو المستوردة لها.

Sep 1 2016

على مرمى حجر من المرفأ الوحيد في موتام يرتفع مبنى اسمنتي متواضع. وفي غرفة مضاءة منه، جيدة التهوية، متناثرة الأثاث، توجد خزانة متخمة بملفات الشكاوى المقدَّمة من الصيادين للمسؤولين، وتفاصيل رحلاتهم من كانياكوماري إلى السجن في إيران أو إحدى دول الخليج. وبعضها مقدَّم من صيادين تم احتجازهم بغية أن يفتديهم الكفيل.

جميع الرسائل الصادرة عن اتحاد صيادي جنوب آسيا موحدة الصياغة في أسلوبها الرسمي ونظمها الإنشائي، وتشمل مجموعة أوراق بحجم جواز سفر تحتوي تفاصيل شخصية ومرفقة ببيان للحالة، وفق أحد شكلين، السينايو الأول: أُلقي القبض على الصيادين أثناء عبورهم الحدود وتم احتجازهم. زُوِّدت سفارتا الهند بتفاصيل القضية في كل من بلدي التوظيف والاحتجاز، وطُلِب منها مساعدة الصيادين في تسديد الغرامة وضمان إطلاق سراحهم.

السيناريو الثاني: يبحر الصيادون عدة أشهر دون أن يدفع لهم الكفيل قيمة حصتهم من الصيد. بعد مضي ما يقارب الستة أشهر وأحياناً السنة، يرفض الصيادون الذهاب إلى البحر ويطالبون بإعادتهم إلى أوطانهم. يمتنع الكفيل عن إصدار تراخيص المغادرة. طُلِبَت مساعدة السفارة لاستصدار التراخيص.

لدى كل عائلة من عائلات موتام قصة ترويها، فيما تتوجس العائلات التي تفتقد لقصة من كل اتصال هاتفي تتلقاه من الخارج. والأسوأ أن أبناءها يتقمصون قصص الآخرين ويروونها على أنها قصصهم عندما تنقطع أخبار رجالهم!

حتى الآن، وعندما يبلغ الفتى الثامنة عشرة من العمر يتجه إلى إحدى وكالات السفر القليلة في ناجريكويل، المدينة الأقرب له، حيث يقدم وكيل السفر المحلي (الذي لا تقل أهميته عن أهمية القريب أو الصديق الذي سيؤمن لهم العمل في الخليج) المساعدة للراغبين بالهجرة في استصدار جواز السفر وتأمين الوثائق المطلوبة الهجرة.

آثار إعصار تسونامي

تقول لنا ساكونثالا، عضوة الاتحاد الوطني لعمال المنازل التي تساعدنا بمقابلة العائلات في موتام، بأن الكثير من الناس ماتوا في كارثة تسونامي. "امتلأت الشطآن بنفايات البحر. ولم يخشَ العودة إلا القليل جداً من الصيادين، لذلك أقمنا دورات تدريب على الأعمال الشاطئية، ولكن فرص العمل رغم ذلك بقيت محدودة مما دفع الناس إلى الهجرة من جديد، خاصة مع انخفاض مستوى الصيد."

ولا يقتصر أثر تسونامي على موتام، فقد نال الإعصار من قرية كادياباتينام المجاورة، التي "لا يخلو بيت من بيوتها بأسَرها الـ 1500 من فردٍ يعمل في بلدان الخليج العربي. حوالي 500 في قطر والبقية في السعودية".

ومن ناحيته، لا يرى الأب تشرشل أثراً كبيراً لتسونامي على الهجرة: "تسونامي دفع الناس نحو اختيار طريقة بديلة للعيش فقط. فخلال السنوات العشرين الأخيرة، هاجر ٢ أو ٣ أفراد من كل عائلة. بينما قبل تلك الفترة، كان هناك ٢ أو ٣ مهاجرين من القرية. اعتاد الناس الاستثمار في البحر فقط، حتى أنهم كانوا سابقاً يسكنون إما على أراضي الكنيسة أو على أراضي الدولة، لكن تسونامي غيَّر هذه العادة ودفع الناس للاستثمار في البر أيضاً".

ويعتقد الأب تشرشل أن الأسباب والعوامل التي تشجع على الهجرة كثيرة ومتنوعة إلا أن إهمال الحكومة الهندية هو العامل الأبرز في تزايد معدلات الهجرة.

"أرباح الصيادين هنا ضئيلة وغير كافية، بالكاد تكفي للإنفاق على تأمين قوت الأسرة. والأهم من ذلك أنه لا يوجد في ولاية تاميل نادو ما يكفي من مراكز التطعيم والمراسي. حتى المراكز التي تتوفر للصيادين لا توجد فيها الوسائل الضرورية مثل المرافئ والأحواض".

للأسف هكذا هو الحال مزرٍ وبائس رغم أن الصيد هو الدعامة الأساسية للمجتمع، إذ تعتبر مقاطعة كانياكوماري الثالثة من حيث عدد الصيادين في ولاية تاميل نادو. "جميعهم صيادون نشطون هنا. بينما تتمتع كيرالا المجاورة بعدد أكبر من المرافئ والأرصفة رغم قلة عدد صياديها".

تضرب السياسة الهندية القائمة على الطائفية جذورها عميقاً في تاميل نادو، وتؤثر بشكل واضح على الصيادين خاصة.

"السياسة تتحكم بالولاية. فالحكومة تلبي مطالب التكتل الاجتماعي (الطائفة) الذي يحظى بممثلين سياسيين عنه. يعود تاريخ آخر توظيف في قطاع الصناعة السمكية إلى عام 1962، عندما أُدخلت القوارب الممكنة. وحتى هذا التوظيف كان سببه انتماء وزير الثروة السمكية لتكتل الطائفة".

يوجد في مدينة كانياكوماري وحدها حوالي ثلاثمائة ألف صياد، يعمل هنا 100 ألف منهم، و50 ألف هاجروا، واتجه نصف المهاجرين تقريباً إلى منطقة الخليج العربي.

بالإضافة إلى ذلك، أدى الاعتماد الواسع على الصيد بالشباك الضخمة إلى استنفاد هائل للموارد السمكية. وبقيت مسألة الصيد بالشباك نقطة مثيرة للنزاع بين سيرلانكا والهند، لم ينجح أي من الطرفين بحلها.

وطيلة عقود، اعتادت القوارب الهندية التي تعود ملكية معظمها لرجال أعمال تاميل نادو الأثرياء ذوي الارتباطات السياسية القوية، على انتهاك المياه الإقليمية في سيريلانكا، ناهبةً قاع البحر، بشباكها الضخمة. مما حفز سيرلانكا على التفكير بإصدار تراخيص محدودة العدد، رغبة منها بضبط الوضع وإبقاء الصيادين تحت المراقبة، حسب ما أوردته الأسبوعية السيريلانكية

إذ صرَّح وزير الثروة السمكية، ماهيندا اماراويرا، بأن وزير الدفاع قد أتى على ذكر هذا الاقتراح.

"أثير الاقتراح كفكرة مجردة، وهي ليست بالضرورة سيئة. في الوقت الراهن توجد ٢٠٠٠ إلى ٣٠٠٠ سفينة صيد هندية في مياهنا. ونحن نهدف لتقليص عددها إلى حوالي 250 سفينة نصدر لها تراخيص رسمية. لكن يتعين علينا أولاً التحدث إلى شعبنا، وخاصة إلى اتحادات وجمعيات الصيادين. وفي حال موافقتهم سوف نضع الاقتراح موضع التنفيذ".

ويعود الأب تشرشل للقول "لقد قضوا على منابع الصيد. أصدرت الحكومة قرارها بمنع الصيد الجائر بالشباك الكبيرة، لكن الصيادين لم يرتدعوا بسبب عدم تأمين أي بديل لهم".

كما فعلت قطر التي رَخصت سفن الصيد في الأعماق المجهزة بمعدات ميكانيكية. "عندما وقع خلل في أنابيب النفط، اشتروا الطعوم والشباك وقدموا الإعانات لمواطنيهم من أجل اتباع أساليب صيد أخرى". يستطرد الأب مقارناً بين حكومة قطر والحكومة الهندية التي لم تقدم البديل. وبالتالي "استمر الناس بالعمل وفقاً للأدوات المتوفرة بين أيديهم".

أكوام أوراق، ولا عقود!

الأسبوع الذي نزور به موتام هو نهاية الفترة التي يسميها التاميل "موداكو". وهي استراحة لمدة شهرين من أجل تجديد المخزون السمكي. يقول بنجامين بأن هذه هي شريعة البحر، التي لم تدركها بلدان الخليج إلا مؤخراً بعد شعورها بنضوب الموارد. وحدد ساحل كل دولة لنفسه فترة استراحة مختلفة عن الآخر.

يَهم حالياً بعض الصيادين في موتام على المغادرة، فتجدهم يتحدثون عن مكتب سفريات مانكالام بقدر ما يذكرون "الكفيل" أو "العربي".

ويقع مكتب سفريات مانكالام، المضاء بأنوار ساطعة تناقض مظهره الخارجي، في الطابق الثاني من بناء رثٍّ مكونّ من أربعة طوابق عند تقاطع طرقات يعج بالمكاتب الحكومية. حيث تحدث إلينا روبين الوكيل التنفيذي عن دور وكالة خدمة الزبائن بمساعدة الصيادين على الهجرة.

"عادةً يقوم الكابتن أو السائق الذي يعمل لصالح الكفيل، بإحضار تأشيرات السفر. وتختلف الترتيبات بين بلد وآخر، لكن الصيادين يدفعون التكاليف مهما بلغت قيمتها. حيث يُجرون أولاً الفحص الطبي الذي يكلف حوالي ألفي ريال سعودي. 90% منهم يذهب إلى السعودية. وفيما يأتي المتجهون إلى قطر بتأشيرات سفر جاهزة، يتوجب تصديق وختم تأشيرات المتجهين للسعودية والكويت قبيل السفر مباشرة من خلال وكالات مرخّصة في مومباي. ونحن نقدم يد العون في هذا المجال. ثم نقوم بحجز تذاكر السفر. أما في البحرين وعُمان فيتم الفحص الطبي قبل السفر".

لكل إجراء رسم، ويتراوح إجمالي تكلفة المعاملة ما بين 10 آلاف ريال لتغطية ثمن تذكرة الطائرة وحدها (ما يعادل 149 دولار) كحد أدنى، أو 50 ألف ريال (750 دولار) كحد أعلى يغطي تكاليف استصدار جميع الوثائق المطلوبة، ما عدا المبلغ الذي يُدفع للكابتن كرسم توظيف.

وفي جميع مراحل هذه العملية لا وجود لذكر إبرام أي عقد. حيث يعملون دون تحديد حدٍّ أدنى لأجورهم وبلا تعويضات أو معونة مادية أو حتى صيغة تعاقدية بسيطة.

تُلِمّ شايا التي التقيناها في الجزء الأول من هذه الثلاثية بشؤون العمل في الخليج العربي حيث اشتغل زوجها طيلة سنوات، بالسعودية أولاً وفي قطر حالياً.

"يشجعهم الكفيل على عبور الحدود في البحار، ضامناً لهم تخليصهم من المآزق على حسابه. غير أنهم يجبرون على التسديد له لاحقاً! كما حدث عندما احتُجِز زوجي في إيران وأَطلق سراحه عام 2013، وترتّب عليه تسديد مبلغ 100 ألف ريال سعودي (490 $) لكفيله".

يحصل الصيادون على جزء واحد من صيدهم. "عادة ما يحصل الكابتن على حصتين من الصيد، ويأخذ الكفيل وباقي الصيادين حصة واحدة. وفي بعض الأحيان يأخذ الجزء الأكبر من الصيد ويشترك الطاقم على ما تبقى".

ومن أجل وضع حدٍ للإفراط في الصيد، سمحت الإمارات العربية أولاً، ومن ثم بقية دول الخليج، للصيادين بالبقاء في المياه لمدة خمسة أيام فقط، مما خفَّض عدد أيام الصيد بشكل ملحوظ وعدد أيام الكسب في الوقت عينه. وخلال هذه الأيام الخمسة يُدفعون لتجريب حظهم بانتهاك الحدود!

"يعتمد الكفلاء في هذا القطاع من العمل على الصيادين اعتماداً كلياً. فلا يبرمون معهم عقود عمل خشية شحّ الصيد، وهذا ما لا يطيقون احتمال كلفته".

هذا هو الواقع الذي ينقله لنا روبين مؤكداً أن 90% من أعمال الكفلاء تعتمد على سواعد الصيادين الذين قدِموا إلى هذه البلاد بتأشيراتٍ أرسلها لهم أناس موثوقين بالنسبة لهم. ونقدم نحن لهم المساعدة بالمعاملات. إذ يراجِع وكالتنا وحدها ما بين 40-إلى 50 صياد بالشهر الواحد للحصول على التذاكر وإنجاز أوراق معاملاتهم اللازمة.

"يعود الكثيرون منهم وقد تعرضوا للغش"، ولا يوجد عقد يستندون إليه في حماية حقوقهم.

أغلال الكفالة

لا نظام الهجرة الهندي يحمي الصيادين ولا قوانين العمل في دول التوظيف. لذلك يعمل الصيادون في بيئة مضطربة غير مستقرة، خاضعين لضيق أفق الحكومات وأهواء المصالح التجارية وأنواء التغيرات المناخية.

يُصنّف عمال المنازل في دول مجلس التعاون الخليجي على أنهم أولئك الذين يعملون لدى الأُسَر كطهاة وجليسي أطفال ومسنين، وسائقين، وبستانيين. والصيادون الذين يحملون تأشيرات بحّارة باتوا، نتيجة استثنائهم من رعاية قوانين العمل، يُعامَلون معاملة عمال المنازل!

يقول الأب تشرشل: "مجتمع الصيادين في كانياكوماري مجبول بالمغامرات. هي تلك البحار العميقة التي يهاجر اليها الصيادون فقط، عبر العالم كله. وبمقدورهم البقاء خمسين يوماً في البحر. لذلك يرغب الجميع بهؤلاء الصيادين المهرة المغامرين، ويسعى الكفلاء العرب خلفهم".

"على أية حال، الكفلاء ليسوا بصيادين. هم يستثمرون في البحر وحسب معتمدين على تشغيل المهاجرين في الأعمال الخطرة، فيبحثون عن "كابتن" قادر على تجميع طاقمه الخاص. فالكابتن هو الذي يتولى التواصل مع الكفيل المحتاج لصيادين، ثم ينشر إعلاناً في قريته، وبناء عليه يدفع له كل صياد راغب بالعمل، حيثما كان، مبلغاً يتراوح بين 100 ألف و300 ألف ريال".

وعندما تسوء الأمور بين الكفيل والصيادين يجد الأخيرون أنفسهم محكومين بنظام الكفالة، بقدرٍ محدود جداً من التغطية القانونية إن وُجدت أصلاً.

"لا يحتمل الصيادون البقاء هنا منذ بلوغهم الثامنة عشرة من العمر وحصولهم على جواز السفر، ولا مجال للتردد أو التراجع في ظل استمرار عدم اكتراث الحكومة الهندية بهم. وكذلك الحال في الخليج حيث العمل استعبادي، حتى ولو كانوا يعترفون بأهمية هؤلاء الصيادين".

يعيش الصيادون من الشراء بالدَّين المفتوح من الدكاكين ومحال البقالة المحلية نظراً لعدم استلامهم حصصهم مباشرة في أوقات محددة ومعلومة، ناهيك عن أن مقدار الحصة بحد ذاته موضع جدل.

"سيعرفون كم يصطادون، إلا أنهم لا يعرفون مقدار حصة كل منهم. المقدار الذي يحدده الكفيل منفرداً".

ثم يروي الأب قصة الـ 63 صياداً على متن قواربهم الـ 15 في منطقة الجبيل بالمملكة السعودية. "كل القوارب ملكٌ لشركة الأمير الخالدي. لم يكونوا قد أخذوا حصتهم من الصيد طيلة سبعة أشهر. وفي الشهرين الأخيرين طالب الصيادون بالعودة إلى بلادهم. لكن الكفيل واجه الطلب بالرفض لأنه سيخضع للتحقيق في حال مغادرة هذا العدد الكبير من موظفيه المكفولين في وقت واحد، وسيحرم من استصدار تأشيرات لموظفين جدد. ورغم ذلك لم يدفع حصصهم المستحقة".

وفوق كل هذا، تُصادر جوازات سفر الصيادين حال وصولهم إلى دول الخليج. وكل ما يحصلون عليه هو هوية بحّار. ولا يبقى ما يستند إليه هؤلاء البحارة الذين يقضون أشهراً طويلة من العزلة في عرض البحر بعيداً عن عائلاتهم سوى الإيمان بالنجاة، رغم أن الإيمان ذاته ليس بمنأى عن المخاطر.

"الدين والإيمان أمران ملازمان للصيادين، إلا أنه محرم عليهم حمل أي رمز دالّ على ديانتهم المسيحية. تعتبر الحالة في قطر أفضل فيما يتعلق بالحريات الشخصية حيث بإمكانهم ممارسة شعائرهم الدينية في حُرمة منازلهم. أما في السعودية فيتعرضون للمداهمات".

"لا يملكون في غربتهم وبعدهم عن عائلاتهم وخارج حاضنتهم الثقافية سوى الإيمان، وأنت تسلبهم إياه! الرموز تمكنهم من رؤية الله. ورغم حاجة اقتصادك لعملهم تحرمهم حق الحياة"!