من أجل النهوض بحقوق العمال المهاجرين في جميع أنحاء الشرق الأوسط

قصص من الأصل – سيريلانكا: الرجال بالمجان والنساء بالتسعيرة

انشر Find us on Twitter Find us on Facebook Find us on ... Share this via email

في تحقيق من جزأين، تعاين منظمتنا البيئة التي تهاجر منها عاملات المنازل في سريلانكا. ونلقي الضوء في الجزء الأول هذا على وقوع النساء العاملات بين مطرقة وكالات التوظيف وسندان السياسات الحكومية.

Feb 21 2017

حقول الرز لا تبشر بموسم وفير بعد أن ضرب الجفاف غانيواتا. البلدة التي لم يبق فيها إلا القليل من بيوتها الطينية، وتحولت مساحاتها الخضراء، بشكل ملحوظ، إلى مربعات متجاورة كمحاضر بناءٍ لمنازل في مختلف مراحل التشييد. فمحضرٌ هنا أقيمت عليه أساسات منزل فقط، وآخر تظهر جدران منزله عارية دون إكساء، وهناك منزل يكاد ينتهي بناؤه. في مشهد يكاد يكون تجسيداً بصرياً لموجات من المهاجرين، لآمالٍ وأحلامٍ، بعضها تحقق وبعضها انقطع، وأغلبها قيد الإنجاز.

وإلى جانب بلدتي غانيواتا وريديغاما تُعتبر مدينة كورونيغالا واحدة من أكبر المدن المصدِّرة للمهاجرين في سيريلانكا، ضمن الإقليم الشمالي الغربي الذي يضم 30 مدينة وبلدة. فمن أصل مائة شركة لتوريد القوى العاملة موزعة في كافة أرجاء الإقليم، يوجد ما يزيد عن العشرين منها في شارع سوق المدينة الرئيسي، وتتوارى مكاتبها الفخمة داخل المباني الحديثة.

يوجد أحد هذه المكاتب أعلى درجين مرتفعين، بموظفاتٍ شابات متأنقات يتولّين غرفة الاستقبال. وفيما تومض كاميرات المراقبة المعلقة على جدرانها، تجيب الشابات على بعض الأسئلة (نعم، يمكننا تزويدكم بالرجال مجاناً دون مقابل.. لا نساء يتكلمن التاميلية.. بلى، هناك مقابِل) قبل أن يقرع جرس السماح بالدخول وتنتقل تتمة الحديث إلى غرفة المدير الأكثر فخامة حيث تتكدس على مكتبه رزم من الأوراق وجوازات السفر إلى جانب شاشة تُظهر ما تلتقطه عدسات كاميرات المراقبة.

ورغم لغة المدير الانكليزية الركيكة إلا أنه يوضِح تماماً شكَّه بالمقايضة.

"تعالي بطلب عمالة لنتحدث"، هكذا دون أن يقيم وزناً لأبسط أخلاقيات التوظيف. ثم يستدرك بسرعة، ربما خوفاً من إضاعة صفقة محتملة، تطلبين "رجالاً سيريلانكيين! لا تدفعين شيئاً، نساء! تدفعين 3000 دولار".

هذه هي اللازمة التي تسمعها مراراً وتكراراً "الرجال مجاناً، والنساء بمقابل". أي بما يعني أن الرجال السيريلانكيين الراغبين بالهجرة يدفعون رسوماً باهظة من أجل العمل وخلال عملية توظيفهم، ولذلك لا يتعين على رب العمل دفع أي مبلغ لتوظيفهم، أو يدفع مبالغ زهيدة.

على الرغم من ارتفاع معدلات محو الأمية في سريلانكا، ما تزال معدلات الأمية عالية في بعض المجتمعات المهمشة (خاصة لدى الفئات الدنيا التاميلية

يرتفع الطلب على النساء المهاجرات فيما العَرض ورغبة النساء بالهجرة آخذة بالانخفاض، وتزيد الحكومة بدورها من تعقيد أمور النساء اللواتي ما زلن راغبات بالعمل في الخارج. ولذلك أيضاً صار رائجاً إغراء النساء بالسفر بوسائل تلتف على القرارات والإجراءات الحكومية، فبات رب العمل يتكفل بكافة نفقات ورسوم توظيف العاملة المنزلية.

تشير "رانجيت سيسيراكومارا" العاملة في "CHRCD" إلى انخفاض عدد النساء المهاجرات بنسبة تزيد عن "13% من عدد الرجال المهاجرين. ربما بسبب السياسات الجديدة المتبعة وبسبب التقارير الواردة عن حالات التعسف وإساءة المعاملة. فالخادمة التي عادت والمسامير في جسدها هي من هذه المنطقة".

والآن يتولى الوكلاء، بهدف التحفيز، دفع "ما يصل إلى 320 ألف روبيه سيريلانكية، في مخالفة لقوانين مجلس التوظيف في الخارج. حيث يتعين على أرباب العمل رصد 800 ألف روبيه عن كل عاملة يريدون توظيفها".

حاجز أبوي

 

فرضت الحكومة السيريلانكية، قبل عامين، شرط الحصول على "بيان الوضع العائلي" (موافقة ولي الأمر) قبل السفر. فبات على النساء المصطحبات لأبنائهن الذين لم يتجاوزا الخامسة من العمر الحصول على موافقة الزوج أو رب الأسرة للسفر.

وتعتقد ديلشاني أن هذا القرار يُفسح مجالاً للفساد أثناء محاولة الناس الالتفاف حوله. إذ "تحتاج تلك النسوة إلى توقيع مخاتير القرى أو من يحتل مكانتهم من مسؤولين في القرى. ويسري مفعوله حتى على أمهات الأطفال المعاقين والمزارعات. ولا تتوفر للنساء فرص عمل بديلة في القرية ذاتها. والأنكى، أنه عندما تقبض المرأة أجراً مسبقاً، وتنفقه الأسرة، تفقد الاستقلالية في اتخاذ القرار وتُجبَر إما على إعادة المبلغ كاملاً أو العمل حتى نهاية فترة التعاقد".

أما زميلها تيتوس ويمالاسري فتنتابه مشاعر متباينة حيال "بيان الوضع العائلي" فيقول إن "فصل الأمهات عن أبنائهن عمل قاسٍ. لقد سبق لي أن عملت في التدريس وشاهدت معاناة أطفال النساء المهاجرات. لا يمكننا أن ننكر ذلك".

"لكننا صادفنا في ماغولبوكونا القريبة من كولومبو عدداً من الرجال الذين يدفعون نساءهم وحتى أسرهم للهجرة على العكس من إرادتهن، وبدءً من قبض رسوم توقيع عقد العمل وحتى النهاية يضعون في جيوبهم المال ويتمتعون بحرية قضاء الوقت بشرب الخمر واللهو، بينما يخضع الأطفال للإهمال".

وفي الواقع، ليست هذه القرارات الحكومية أكثر من إسعاف أوليّ لمشاكل عميقة.

"الدولة هي المستفيد الأكبر من الهجرة. فكما نرى، لا يستطيع المهاجرون تحقيق أهدافهم حتى بعد مرور فترة 10 إلى 15 عاماً، فيما تستمر الحكومة بتلقي التحويلات المالية من الخارج. الحكومة هي التي يقع على عاتقها مسؤولية رعاية الأطفال وضمان سلامتهم".

يُذكر أن التحويلات المالية تبلغ 7.5 مليار دولار سنوياً، بما يعادل 65% من احتياطي العملات الأجنبية.

وتذكر ديلشاني أن مراكز إصدار "بيان الوضع العائلي" تخصص 10 موظفين للسعودية وحدها، ورغم ذلك من الصعب أن تحصل على ردّ من المسؤولين في المملكة.

ومن ناحية أخرى، يذكر رئيس منظمة محامون بلا حدود، سوجيوا لال داساناياكي، حدوث تراجع طفيف في أعداد الأشخاص المغادرين لسيريلانكا خلال عامي 2014 و2015 (وفق أحدث إحصائية متوفرة).

"في عام 2015، بلغ عدد المغادرين 263.307. بينما في عام 2014 وصل إلى 300.703. أي بما يمثل انخفاضاً بنسبة 12.4%".

ويعيد أسباب الانخفاض إلى مجموعة عوامل متضافرة. من الركود الاقتصادي في الخليج، مروراً بالتقارير الواردة عن الانتهاكات والتعسف بالمعاملة، وصولاً إلى اشتراط الحصول على بيان الوضع العائلي.

"انخفض عدد المغادِرات الإناث إلى 90.677 امرأة في عام 2015، مقارنة بـ 110.486 في عام 2014، أي بنسبة 17.9%. وبالمقابل انخفضت نسبة الذكور المغادرين بمقدار 9.2% فقط". أي من 190.217 مغادراً في عام 2014 إلى 172.630 في عام 2015. بينما انخفض عدد المغادرين إلى الشرق الأوسط بنسبة 13.5%.”

"حوالي 57% منهم مصنفين كعمال غير ماهرة وعمال منازل. 2.4% منهم مصنفين كأصحاب مهن ومختصين. وما يقارب الـ 31.2% منهم مصنفين كعمال ماهرين".

ويشير سوجيوا إلى أن نسبة 64.3% من أصل 242.431 هاجروا إلى الخليج في عام 2015 هم من الذكور. بما يعكس تغيراً ملحوظاً في التناسب بين المغادرين الذكور والمغادرات الإناث، حيث كان عدد النساء المهاجرات أكبر في السابق.

ما تزال قطر والمملكة العربية السعودية هما الدولتان الأكثر اجتذاباً للمهاجرين، من الجنسين.

عام 2014: 80480 إلى السعودية، قطر 84622، الكويت 43552، وإلى الإمارات 50347

عام 2015: 74910 إلى السعودية، قطر 65111، الكويت 38451، وإلى الإمارات 43601

ورغم الانخفاض الشامل في معدلات الهجرة، وكذلك انخفاض الجدوى من الوكالات، أصدر مجلس التوظيف في الخارج تراخيص جديدة لـ 116 وكالة توظيف، إضافة إلى تجديد تراخيص 997 وكالة أخرى.

فمن اللافت للانتباه، تراجع نسبة المستعينين بخدمات وكالات التوظيف من 59% إلى 44% من مجموع الساعين للهجرة والعمل خارج سيريلانكا، حسبما يؤكد سوجيوا "إذ بات واضحاً أن العمال المهاجرون يستخدمون قنوات أخرى. إنه لتحدٍ كبير يبرز في وجه الحكومة. والسبب في ذلك يعود إلى الرغبة بالالتفاف على القرارات المعيقة مثل بيان الوضع العائلي".