من أجل النهوض بحقوق العمال المهاجرين في جميع أنحاء الشرق الأوسط

لا تعويضات للمعلمات الوافدات رغم حكم القضاء الكويتي

انشر Find us on Twitter Find us on Facebook Find us on ... Share this via email
Oct 25 2016

أصدرت المحكمة الدستورية في الكويت، في وقت سابق من هذا العام، حكماً قضائياً "تاريخياً" لصالح معلمة وافدة في قضية ضد وزارة التربية الكويتية التي كانت، منذ أبريل 2011، قد استثنت المدرّسات الوافدات من مرسوم زيادة بدل السكن (الذي ارتفع من ستين ديناراً كويتياً إلى 150) الممنوحة للمدرّسين الوافدين. إلى جانب أن العقود المبرمة تستنثي المدرسات الوافدات من تلقي أي بدل إيجار في حال عمل أزواجهن بالتدريس في القطاع العام. لكن إحدى المعلمات العربيات توجهت للمحكمة العليا للمطالبة بالمساواة في بدل الإيجار، وقضت المحكمة في النهاية بمنحها تعويضات بأثر رجعي لقاء خمسة أعوام من التمييز، بلغت قيمتها 6000 دينار على الأقل، بالإضافة إلى تعديل فئة بدل الإيجار مستقبلاً للمساواة بين الجنسين.

كان من المفترض أن يمثل هذا الحكم انتصاراً لكافة المدرّسات الوافدات العاملات في القطاع العام حيث أن القانون المحلّي يلزم الوزارة بتعويض جميع العاملات اللواتي قد يتأثّرن أو يسري عليهن مفعول قرار المحكمة. خاصة وأن الحكومة الكويتية قد اعتمدت مع وزارة المالية هذا القرار بعد فترة قصيرة من صدوره مشيرةً على وزارة التربية بتعويض جميع المعلمات الوافدات مقابل بدل السكن غير المقبوض بأثر رجعي يعود إلى أبريل 2011.

غير أن القضية اتخذت منحى غير متوقع في الأشهر الأخيرة في أعقاب إعلان وزارة التربية أن إجمالي المبلغ الذي يقارب 47 مليون ديناراً غير متوفر لديها. وقال وزير التربية بدر العيسى إن وزارة المالية قد رفضت طلب وزارة التربية بتزويدها بأموالٍ إضافية لدفعها للمعلمات نتيجة لـ "عجز في الموازنة". وبيّن الوزير أن التعويض المذكور لن يمنح إلا للمعلمة التي توجهت إلى المحكمة فيما سيتم التعامل مع بقية المعلمات الوافدات بشكل فردي، الأمر الذي يحتّم على كل مدرّسة التقدم بقضية بنفسها.

وبعد صدور أمر المحكمة، تم تجنيد الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لتبرير قرار وزارة التربية، ونظّمت مجموعة من المدرّسات الكويتيات "احتجاجاً" داخل مبنى الوزارة للاعتراض على "الامتيازات" المقدّمة لزميلاتهن من الوافدات! من الصعب أخذ هذا الادعاء على محمل الجد إذ أن الموظفين الكويتيين يتقاضون رواتب أعلى ويحصلون على زيادات رواتب دورية وعلى بدل سكن متمثّل بدفعات شهرية أو شقق سكنية، كما أن كل عائلة مواطنة تتلقى قطعة أرض وقرضاً عقارياً معفى من الفوائد. كذلك فإن المواطنات الكويتيات الأرامل والمطلّقات يحصلن على سكن مدعوم حكومياً. ومع ذلك، يواصل المواطنون الكويتيون هجومهم على العمالة الوافدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي منتقصين من جودة عملهم ومتّهمينهم بالـ "طمع". وادّعى الكثيرون أن المدرّسين الوافدين مستفيدون من إعطاء دروس خصوصية وهي ممارسة غير قانونية أدّت إلى ترحيل عدد من المدرّسين الوافدين في السنة الماضية. ولم يقصِّر الإعلام الكويتي في تهويل هذه الادّعاءات بطرح الموضوع للنقاش في البرامج الحوارية والتوجّه إلى النوّاب في مجلس الأمة من أجل التعليق بشأنه.

وعلى الرغم من قرار المحكمة العليا فإن مجلس الأمة، كما هو متوقّع، لم يقف في صف العمال المهاجرين. ففي ظل انخفاض أسعار النفط، استخدمت إجراءات التقشّف المتبعة في البلاد لتبرير انتهاك حقوق العمال المهاجرين، كحجَّة تعجز حتى المحكمة العليا وأحكامها عن مواجهتها. ومع اقتراب الانتخابات النيابية تعهد نواب حاليون بعرقلة الميزانية التي تحتاجها المدرسات الوافدات. فتساءل النائب صالح العاشور، الذي اقترح صرف بدل الإيجار للمعلمة صاحبة الحكم القضائي فقط: "بقية المعلمات ليس لديهن أحكام قضائية، فما الداعي إذاً لأن تطلب وزارة التربية ميزانية إضافية بقيمة 47 مليون دينار، وأين هي من خطة الترشيد؟". وأكّد رئيس لجنة حقوق الإنسان البرلمانية النائب جمال العمر "أنه يطمئن المواطنين الكويتيين بأن المدرسات الوافدات لن يتقاضين بدل سكن بأثر رجعي عن خمس سنوات".

المعلمون الوافدون يرتدون اللباس الأسود تعبيراً عن رفضهم قرار تخفيض بدل السكن. عن "الجريدة".

المعلمون الوافدون يرتدون اللباس الأسود تعبيراً عن رفضهم قرار تخفيض بدل السكن. عن "الجريدة".

مجلس الخدمة المدنية يقلص بدل السكن، مخالفاً للعقود!

وأعلنت وزارة التربية في سياق متّصل أنها ستقلّص بدل السكن إلى ستين ديناراً كويتياً في قرار أصدره مجلس الخدمة المدنية "التزاماً بخطة الترشيد"، متجاهلاً أن أسعار العقارات في الكويت تشهد ازياداً مستمرّاً مما يضطر العمال المهاجرين للعيش في أماكن سكن صغيرة ومكتظة وبعيدة بأسعارٍ تتناسب مع إمكانياتهم المحدودة. إلا أن الزيادة الأخيرة في أسعار البنزين بنسبة 83% تعني أنه حتى أماكن السكن النائية لم تعد متاحة لهم هي الأخرى.

وقلّما يحصل العمال الوافدون وحتى أولئك الذين يعملون في القطاع العام على زيادة في رواتبهم أو على معونات كتلك التي تمنح بشكل مستمر للمواطنين، بحجة مساعدتهم على التكيّف مع ارتفاع تكاليف المعيشة. على العكس من ذلك، تتم التضحية بحياتهم من أجل إيجاد حلول تخفّف من وطأة انخفاض أسعار النفط.

يتجاوز عدد المعلمين الوافدين العاملين في القطاع الحكومي في الكويت الـ 20.000. تتراوح روابتهم الشهرية بين 420 و460 ديناراً تقريباً بالإضافة إلى بدل السكن. المعلم الوافد الذي يعيش مع أسرته يحتاج إلى دفع 300-إلى 400 دينار لتسديد الإيجار أي حوالي ثلثي راتبه الشهري على الأقل. وصرّح معلمون للإعلام المحلّي أنهم سيضطرون للعيش بمفردهم بدون عائلاتهم لكي يتمكنوا من تحمل تكاليف المعيشة مع انخفاض بدل الإيجار. وقد أعربت القنصل العام في السفارة المصرية عن قلقها جراء انتهاكات العقود الأخيرة بعد تلقّي القنصلية عدداً كبيراً من الشكاوى من مدرّسين مصريين خلال الأيام الماضية.

ويشكّل المدرّسون المصريون الشريحة الأكبر في قطاع التعليم العام في الكويت وثاني أكبر جالية من العمالة الوافدة بعد العمال الهنود. واستجابة لدعوة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، اتّشح الأساتذة الوافدون بالسواد للتعبير عن رفضهم للقرار الأخير بخفض بدل الإيجار، كما أشار المدرسون المصريون وزملاؤهم من الأردن وتونس إلى أنهم سينظّمون إضراباً في حال لم يتم إلغاء القرار.

وأكّد وزير التربية في تصريح له أن القرار بشأن تقليص بدل السكن (وتجاهل قرار المحكمة) قد اتّخذ من قبل مجلس الخدمة المدنية المسؤول عن إدارة وتنظيم كل العقود والأمور المتعلّقة بالقطاع الحكومي. وأضاف الوزير العيسى أن على المعلّم الوافد أن "يقدّر ظروف البلد التي يعيش بها"، مبيّناً أن "رواتب الكويت للمعلمين الوافدين أفضل بكثير من بقية الدول العربية"، ومؤكّداً أن "رواتب المعلمين الكويتيين خط أحمر بالنسبة للوزارة، ولن نرضى المساس بامتيازاتهم المالية".

إلا أن بعض المسؤولين في الوزارة ممن لم يفصحوا عن أسمائهم أعربوا عن قلقهم من خفض بدل السكن وذكروا أن القرار قد يسبب أزمة في قطاع التعليم الحكومي في حال اضطر المعلمون الوافدون للبحث عن عمل في دول أخرى، ونوّهوا إلى أن الممارسات الحالية تشكل خروقاً للعقود المبرمة مع المدرّسين. حيث تنص العقود الحالية على ضمان سكنٍ للمدرّسين الوافدين، إلا أن الوزارة استعاضت عن توفير السكن ببدل إيجار شهري يكاد لا يقترب من تغطية تكاليف الإيجار الفعلية.

وقد تحدّث موقعنا إلى عدد من المدرّسات الوافدات طلبن عدم ذكر أسمائهن، وعبّرن عن منتهى سعادتهن في البداية لدى سماع قرار المحكمة، إلا أنه سرعان ما خاب أملهن في أعقاب تصريح الوزير المحرّض على التمييز. وأعربت عشر مدرّسات عن اعتقادهن أن الخيار الأمثل هو تقديم دعوى جماعية للمحكمة بناءً على نصيحة الوزارة إلا أن هذه الخطة حملت الكثير من المخاطرة، حيث تعرّضن للتهديد بفقدان وظائفهن بغض النظر عن قرار المحكمة. ففي قضية سابقة رفعها مدرّسون مصريون ضد وزارة التعليم بخصوص بدل إيجار غير مقبوض، ربح المعلمون الدعوى إلا أن الوزارة أنهت عقودهم بعد 15 يوماً على دفع بدل الإيجار المنصوص عليه بقرار المحكمة. وتم من بعدها ترحيل جميع المعلمين مع عائلاتهم، باستثناء معلم واحد بذل الجهد للتنازل عن حقه والانسحاب من الدعوى لتفادي الانتقام. حالات كهذه معروفة في أوساط العمال الوافدين وتمثّل تهديداً جدّياً يحول بينهم وبين المطالبة بمستحقّاتهم.