من أجل النهوض بحقوق العمال المهاجرين في جميع أنحاء الشرق الأوسط

الجنسية والإنتماء في تجربة الجيل الثاني من المهاجرين في دبي

انشر Find us on Twitter Find us on Facebook Find us on ... Share this via email
Jan 27 2014

هنا الحلقة الثانية من سلسلة لـ "آي أيه" عن الجيل الثاني من العائلات المهاجرة في دبي. اقرأ/ي الحلقة الأولى هنا.

لا يمكنك حقاً أن تقول بأنك من دبي، بشكل رئيسي بسبب الجنسية. كما لا يمكنني أن أقول أنني من سيرلانكا لأنني لم أعش هناك أبداً. بينما أعمل الآن في أستراليا، علّي زيارة دبي كل ٦ أشهر حتى لا يتم إلغاء فيزتي لدبي. الموضوع يشبه المزحة! ولدت في تلك البلد وأهلي يقيمون هناك حتى الآن. كلما عدت لدبي، علّي أن أقف في طابور مثل أي زائر آخر، بل أنهم يخصصون صفاً خاصاً للجنوب-آسيويين! هذه الأمور لا تسمح لي بالشعور بأنني جزء من دبي لأن هذا الشعور محرم بالقوانين. كل أصدقائي هناك، أعرف المدينة بتفاصيلها. إنها منطقة الراحة بالنسبة لي، هنالك علاقة حب وكراهية بيني وبينها. أحبها لأنها بيتي وأكرهها لأنها سلبتني ما أعطته لي.

الكلمات السابقة تعبر عن مشاعر وأفكار غالبية من تحدثت معهم عن الهوية والانتماء في دبي، المدينة التي ولدوا وتربوا فيها. مشاعر مشابهة تنتابهم بالنسبة للدول الأم التي جاء منها أهاليهم. البعض منهم زاروا دولهم الأم فقط في المناسبات إلا أنهم يحافظون على علاقات قانونية واجتماعية وثقافية قوية معها نتيجة للإقصاء القانوني الذي يواجهونه في دبي. المشاركون عبروا عن مشاعر متناقضة في تحديد هوياتهم الشخصية مما يعكس الارتباك الذي خلقته قوانين الهجرة في دبي للجيل الثاني من المهاجرين.

تشكيل "المواطن" والحصرية

قوانين الهجرة الإماراتية قد تكون فريدة إلا أنها تعتمد على فكرة الـ "المهاجر الضيف" التي استخدمت مسبقاً في أوروبا بعد الحرب، خاصة في ألمانيا، والتي يحاول الغرب العودة إليها الآن. بعد اكتشاف النفط في السبعينات وتزايد الهجرة، فرضت الإمارات حدود اجتماعية وقانونية على المهاجرين من أجل الحفاظ على "التجانس" الثقافي والهوية الوطنية، بالإضافة إلى الحفاظ على المميزات الإجتماعية والاقتصادية التي يمتلكها السكان الأصليون. تاريخياً، وضعت الدول عراقيلاً أمام الجنسية والإقامة لتفادي استيطان أجانب "غير مرغوب بهم".

تم تصوير المهاجرين في هذه الدول باعتبارهم تهديداً لـ "التماثل" الموجود في مجتمعاتها، بناءاً على إيمان بأن الأمم تتشارك في أصل ودم ولغة وتاريخ. بعد استقلال الإمارات، مشروع بناء الأمة احتاج لخلق التاريخ المشترك واللغة والعادات الثقافية بناءاً على الأصل والدم. المشيخات في المنطقة من قبل النفط عملوا على ذلك واستمروا في ذات الاتجاه حتى حينما غلب عدد المهاجرون العرب والآسيويين على عدد المواطنين.

عراقيل أمام الجنسية والإقامة والإنتماء

تتطلب الإقامة في دبي راتباً لا يقل عن ١٠ آلاف درهم شهرياً لرب البيت للسماح بالتحاق العائلة. الجيل الثاني من العائلات المهاجرة غالباً ما يصنفون كطبقة وسطى. وبما أن قوانين الجنسية الإماراتية قائمة على الأصل والدم، فإن من يولدون في الإمارات لأبوين غير إماراتيين لا يحق لهم الحصول على الجنسية. بل أنهم يتعرضون لذات آليات نظام الكفالة الذي يطبق على كل المهاجرين، كما يتطلب منهم الحصول على فيزا من خلال أحد الأبوين. ابن المهاجر بإمكانه أن يكون تحت كفالة أحد الأبوين حتى عمر ١٨ عام بينما البنت تستمر تحت كفالة أحد الأبوين حتى زواجها. في حالة فقدان الفيزا المعتمدة على أحد الوالدين، على الأبناء الالتحاق بجامعة من أجل فيزا دراسة أو الحصول على عمل وإذن إقامة من خلال كفيل محلي.

كما يتبين من هذه الشروط القانونية، تلعب الجنسية دوراً رئيسياً في التمييز في الحقوق والمزايا بين المواطنين والمهاجرين بشكل يمايز بين طرق فهم الهوية والإنتماء في دبي عن تلك الموجودة في أوروبا والولايات المتحدة.

الجنسية تلعب دوراً رئيسياً في تشكيل هوية الجيل الثاني من المهاجرين وحسهم بالانتماء. حينما يسمح للجيل الثاني بالحصول على الجنسية والحقوق التي تأتي معها، فإن روابطهم تجاه البلد تتطور ويعتبرونها قاعدتهم الرئيسية. بالمقارنة، يكون المهاجرون من الجيل الأول الذين هاجروا لأسباب اقتصادية غالباً في وضع الغرباء دائماً بسبب خوفهم المستمر من الترحيل وشعورهم بأن البلد التي هاجروا لها مجرد مكان مؤقت لهم.

الحوارات التي أجريتها مع مهاجرين من الجيل الثاني في دبي تؤكد هذه النظرية، بأن الجيل الثاني في دبي هم المقابل للجيل الأول في الغرب لأن الاثنان يتشاركون غياب الأمان كأشخاص مؤقتين ومهددين بالترحيل دائماً. على الرغم من أن الكثير منهم يشيرون لدبي باعتبارها بيتاً لهم، إلا أنهم عبروا أيضاً عن مشاعر الخيبة والغضب تجاه القوانين التي تهمشهم من المجتمع السائد. غالبية من شاركوا في الدراسة قالوا أن العراقيل الموجودة أمام الحصول على الجنسية التي تأتي مع مزايا كثيرة في الإمارات، تجعلهم يشعرون وكأنهم مواطنين من الدرجة الثانية. تقريباً كل من شاركوا أكدوا على وجود روابط قوية قومية ووطنية وغيرها تجاه بلدانهم الأصلية إلا أنهم جميعاً تقريباً لا يفكرون في العيش فيها بشكل دائم. انطباعاتهم التي عبروا عنها تدلل على الرابط المهم بين تجربة الإقصاء والهوية والانتماء حيث بالإمكان أن يشعر المهاجر بأنه في بيته في البلد الذي ولد وتربى فيها ولكن كنتيجة للإقصاء الاجتماعي والقانوني الذي تعرض له، يقوم بتطوير وعي عرقي ليؤكد على انتمائه العرقي والوطني للبلد الأم.

عدة أشخاص قابلتهم تعرضوا لمواقف معينة بينت لهم شكل وضعهم المؤقت في دبي، مثل اضطرارهم لترك البلاد خلال أسبوعين بعد طرد أهاليهم من وظائفهم. آخرون شعروا بالمعاملة المختلفة فقط بعد أن عاشوا في دول أخرى ذات قوانين مفتوحة في الهجرة.

الكثير من المشاركين فكروا بالحصول على الجنسية من كندا أو أستراليا في حالة اضطرارهم لترك دبي. الكثير منهم أرادوا العودة لدبي حتى بعد الحصول على جنسية غربية مما يعكس تجذر دبي كبيت لهم. القليل منهم عبروا عن رغبتهم في العودة إلى بلدانهم الأم على الرغم من إيمانهم بأنهم لا يعرفون طرق الحياة هناك.

تلعب الجنسية دوراً رئيسياً في تموضع الأجانب من أبناء البلد، لأنها قادرة على إنهاء مخاوفهم ووضعهم الغير مؤكد وضمان وجودهم في البلاد وحمايتهم من الترحيل. الجنسية تمنح فرصاً أكبر من خلال الخدمات الإجتماعية في التعليم المجاني والرعاية الصحية والسكن والحد الأدنى من الأجور. غياب أي طرق للتجنيس تعكس مشاكل نظامية في التشكيلة الاجتماعية والاكتفاء الذاتي، خاصة أن المهاجرين يتم تذكيرهم دائماً بأنهم لا ينتمون للبلد ولن ينتموا له أبداً. ذات النظام يقوم بتشكيل هوية المواطنين والمهاجرين في مواجهة أحدهما الآخر، مما ينتج عن مجتمع متعدد الثقافات ولكن متجزأ بشكل كبير يحتل فيه المهاجرون أقل المراتب. يبقى سؤالي الرئيسي: هل من الممكن أن يقوم شخص ممنوع من الانتماء قانونياً بالاستثمار في مجتمع ومدينة كهذه؟

في ذات الأسبوع الذي قدمت فيه ورقة البحث خاصتي، انفجرت صحف الإمارات بمقالات ترد على مقال لسلطان القاسمي، أحد أبناء الأسر الحاكمة في الإمارات، حيث طالب بتجنيس من يقيم في الإمارات لفترات طويلة وقدم إسهامات للبلاد. وقال القاسمي بأن التجنيس سيثري ثقافة البلاد بينما رد معارضوه بأن قضايا الأمن والهوية ستكون في وضع إشكالي مع توسيع غياب الموازنة بين المواطنين والمهاجرين في تشكيلة السكان.

كما يتضح، مشاكل المهاجرين الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن حلها فقط من خلال الجنسية، هنالك أمور مفصلية أخرى سأناقشها في الأسابيع القادمة من بينها التعليم والتوظيف. إلا أن الجنسية هي الخطوة الأساسية للحصول على مجتمع شاب ومنتج ومبدع ومتناغم بعيد عن خوف الترحيل ويسمح للأشخاص باستثمار قدراتهم فيه بشكل متساوٍ.