من أجل النهوض بحقوق العمال المهاجرين في جميع أنحاء الشرق الأوسط

إعادة تقييم الهوية: شهادة مهاجرة من الجيل الثاني في الإمارات

انشر Find us on Twitter Find us on Facebook Find us on ... Share this via email
Jun 5 2014

دانة

كنت في الـ ١٩ من عمري حينما زرت العراق لأول مرة. دخلت مطار بغداد دون الحاجة إلى تأشيرة، لينتابني شعور مختلف عن إحساسي المعتاد بأنني سائحة.. إحساس يأتي من تجربتي كشخص سافر كثيراً بالجواز العراقي الصعب والإقامة الإماراتية.

ولدت في دبي وترتبيت في الشارقة لوالدين عراقيين. قرر والدي الانتقال إلى الإمارات في نهاية السبعينات بينما جاءت والدتي إلى الإمارات في الثمانينات حيث تزوجا. كمهاجرين من الجيل الأول هربا من الحرب وانعدام الاستقرار والظروف الاقتصادية الصعبة، كانت الإمارات ولازالت ملجأ آمناً، دائماً بالنسبة للبعض ومؤقت بالنسبة لآخرين.

أما لمهاجري الجيل الثاني ممن ولدوا في بلد لا تعترف بهم كأبناء لها، نضطر نحن لمواجهة إشكاليات عدة في فهم الهوية. لا تسمح الإمارات بالتجنيس لغير الإماراتيين ممن ولدوا على أراضيها، فالدولة ترتكز على قوانين الدم والأصل في الجنسية وتقوم باستثناءات قليلة بشكل انفرادي يتم تقريرها من قبل الأسر الحاكمة. في ٢٠١١، أصدر الشيخ خليفة قراراً لمنح الجنسية لأبناء الإماراتيات المتزوجات من غير المواطنين. رحب كثيرون بهذا القرار الذي يعتبر نقلة في حقوق المواطنات وأبنائهن، إلا أن القوانين مازالت تقصي أغلبية سكان البلاد من المهاجرين. مازال الجيل الثاني من المهاجرين يتم تعريفهم بشكل تلقائي حسب جنسية الأب على الرغم من أن مفاهيم الانتماء لديهم تجاه بلاد والديهم يتم اختلاقها منذ الولادة.

لم يكن متطلباً مني أبداً أن أثبت "عراقيتي" في الإمارات أو أي دولة عربية أخرى زرتها لأنها مفترضة عني. فقط بعد زيارتي للعراق، استوعبت أنني بحاجة لإعادة تقييم فهمي لما يكون هويتي الشخصية. في العراق، لم أكن عراقية فقط، بل كنت عراقية من الإمارات. حتى لهجتي المكونة من عربية بغدادية متأثرة بعدد من اللهجات كالإماراتية والشامية، هي انعكاس لهويتي التعددية. جزء مني تعلم تقبل هذه التعددية وخليط اللهجات الذي نتج بشكل طبيعي عن تربيتي كـ "طفل لثقافة ثالثة" في بلد ولدت فيها، ولكن جزء آخر مني يحتاج لمصالحة روابطي بالإمارات وناسها فيما يخص اعتبارهم لي "وافدة" لا أكثر في بلد ولدت وتربيت فيها.

طوال حياتي، كان من المستحيل ألاّ ألحظ انعدام حقوقنا كوافدين. هنالك انقسام واضح ونظامي واجتماعي بين "المواطن" و"الوافد". في أغلب الحالات، تلعب الجنسية (المكتسبة بشكل وراثي) الدور الرئيسي في تفريق الهوية والانتماء. كما تأتي الجنسية كمفتاح للحقوق الاجتماعية والقانونية التي يتم منحها لأقلية مواطنة فقط. الحق في التعليم المجاني والأولوية في التوظيف أهم مجالين يتأثر بهما الجيل الثاني من المهاجرين في الإمارات.

هنالك عدد كبير من المدارس مصممة لجنسيات مختلفة لجذب الوافدين، إلا أن التعليم الحكومي المجاني متاح للمواطنين فقط. في السنوات الأخيرة، سُمح للوافدين الدخول للمدارس الحكومية ولكن مقابل مبلغ معين. في أبو ظبي، عدد الطلبة المهاجرين لا يتعدى ٢٠٪ من اجمالي الطلبة المواطنين، بشكل يحد من تواجد المهاجرين بنسبة كبيرة. التعليم الجامعي أيضاً مقيد مثل التعليم المدرسي: المهاجرون من الجيل الثاني ليس أمامهم سوى خيار الجامعات الخاصة أو السفر إلى دول أخرى من أجل فرص تعليم جيدة.

سياسة "توطين" القطاعين الخاص والحكومي في الإمارات أثرت سلباً على المهاجرين من الجيل الثاني وفرص عملهم. توطين الوظائف لا تتعدى كونها سياسة لـ "التمييز الإيجابي" لصالح المواطنين في قطاعات معينة. كما تستخدم سياسة التوطين للتقليل من عدد الوافدين من خلال إعطاء الأولوية للمواطنين في التوظيف خاصة في مجالات البنوك والسياحة والإعلام. في العقود الماضي، كان التوطين مقصوراً على القطاع الحكومي والوظائف الإدارية في القطاع الخاص. ولكن في السنوات الأخيرة، توسعت سياسات التوطين لتشمل فرض نسب معينة من المواطنين على القطاع الخاص. سبق وأن انتقدت هذه السياسات لأنها لن تحل مشكلة البطالة بين الإماراتيين بشكل جذري فهي لا تتعدى كونها نسب مفروضة. هذه النسب تتسبب أيضاً في إقصاء وحرمان نسبة كبيرة من مهاجري الجيل الثاني. من الصعب تخيل حجم الضرر الواقع على هؤلاء جراء سياسات التوطين لأن هكذا قضية لا يتم مناقشتها بعين غير إماراتية، ولكن يكفينا الحديث مع شبان وشابات وخريجين جدد لنستوعب حجم المصاعب التي يواجهونها من أجل الحصول على فرص تدريبية ووظائف، مما يثبت أننا ضحايا لإقصاء نظامي.

من الصعب علينا كمهاجرين شباب التعامل مع واقع لا يعترف بعنصرية سياسات التوطين ضدنا بسبب جنسياتنا وأصولنا العرقية. بل على العكس، دائماً ما تُمتدح سياسات التوطين، بل يتم تبريرها حتى من قبل غير الإماراتيين ممن يعتبرون أنفسهم مؤقتين دائماً في البلاد حتى وإن كانوا من عائلات عاشت لأجيال في هذه البلاد.

المزايا التي تأتي مع أن "تكون" إماراتياً/ة تعمق من الفصل الموجود بين المواطن والوافد، بل وتبرر التمييز القائم ضد الأغلبية (الوافدين). المهاجرون الذين ولدوا في الإمارات يتم شملهم تحت تصنيف "الوافدين" ويتم معاملتهم قانونياً باعتبارهم مقيمين مؤقتين في وطن لا يعرفون غيره.

في العقود الماضي، الكثير من العراقيين المقيمين في الإمارات مثلي هاجروا لدول أخرى لضمان جنسية أوروبية أو أمريكية أو كندية. كعراقيين نعيش تحت رحمة تجديد الإقامة التابعة لكفالة رب العمل، شعرنا بحاجة تأمين مستقبلنا في مكان آخر. قامت عائلتي بهذه الخطوة في ٢٠٠٨، قبل عامين من دخولي إلى الجامعة. أنا الآن مجنسة أمريكية وخريجة جامعية تفكر بقرار العودة إلى الإمارات أو المضي في حياتي والبدء من جديد في مكان آخر من العالم.

في يوم ما، سيتم إلغاء إقامتي في الإمارات التي تجاوز عمرها ٢١ عام. يوم ما، سأضطر لتقديم طلب تأشيرة إلى الإمارات حيث ولدت وتربيت، حيث فتحت عيناي للمرة الأولى في هذا العالم، وحيث بنى أهلي بيتاً لهم ولنا، وحيث يتواجد قبر جدي.

"شعور مخيف" أفكر في نفسي.

قد أحتاج لسنوات أو عقود لأتصالح مع تجربتي وأفكاري تجاه الإمارات وكيف تقوم الإمارات، كحكومة، بإقصائي وعائلتي من أبسط حقوقنا الاجتماعية والقانونية. على الرغم من ذلك، كانت الإمارات وستبقى بالنسبة لي وطناً.. من نوع خاص.