من أجل النهوض بحقوق العمال المهاجرين في جميع أنحاء الشرق الأوسط

[قصص من الأصل] في أرض الوطن، الكل يتحول لوكيل توظيف

انشر Find us on Twitter Find us on Facebook Find us on ... Share this via email

في الحلقة الختامية من سلسلة قصص من الأصل، تتحدث منظمة Migrant-Rights.org إلى أولئك المستفيدين من تيسير هجرة العمال وأولئك الذين يتعاملون مع العواقب الوخيمة للهجرة الغير منظمة. في الجزء الأول، تحدثنا مع الأوغنديين الذين خلفت تجربتهم في الخليج ندوبًا عميقة وأولئك الذين تمكنوا من تحقيق نسبة نجاح رغم كل الصعوبات.

Aug 7 2017

ما أن يهبط المرء في إنتيبي، تقع عيناه على مشهد بحيرة فيكتوريا المتلألئة وهي محاطة بالخضرة والتربة ذات اللون الأحمر الداكن. تمتد أعناق الأوغنديين في الطائرة نحو النوافذ شوقاً لرؤية أرض الوطن قبل أن يحطوا بأقدامهم عليه. ولا يمكن إخفاء الحماس الذي يستشعره المرء وهو يشاركههم الرحلة الجوية للعودة إلى وطنهم - إلى كاتماندو أو كولمبو أو كوتشي أو دكا.  ينظرون إلى المشاهد المفعمة بالخضرة التي افتقدوها لأعوام في المهجر، والتي تختلف تماما عن رتابة أراضي الخليج ذات اللون البني .

بداخل مجمع الأقسام الموجودة بوزارة الداخلية؛ تنتشر رسائل المتاجرة.

بداخل مجمع الأقسام الموجودة بوزارة الداخلية؛ تنتشر رسائل المتاجرة.

بعض أولئك الذين يعودون سيساعدون الآخرين على السفر إلى الخارج - إذ يبيعون عروض للعمل و"فري فيزا" مقابل رسوم باهظة (مليون إلى 2 مليون شلن) - ويصبحون وكلاء توظيف متخفين.

في أوغندا، تعتبر هجرة العمال ذوي المهارات المنخفضة (إلى خارج إفريقيا) اتجاهًا حديثًا إلى حد ما. ولا زالت الحكومات والمجتمعات المحلية والمنظمات غير الحكومية ووكالات التوظيف تتعلم كيف تتفادى الأخطاء عبر التجربة؛ ولسوء الحظ، تكلّف هذه الأخطاء بعض العمال حياتهم وسبل عيشهم. وتعد المصطلحات المستخدمة من قبل المشتغلين في هذا المجال مشكلة في حد ذاتها، إذا عبارات مثل "خادمات للتصدير"، "ورخصة لتصدير العمال" تعكس كيف يتم النظر للراغبين بالعمل في الخارج كسلعة وليس كبشر.

لا تنكر أتوكو غريس، مسؤولة العمل رفيعة المستوى في وزارة شؤون الجنسين والعمل والتنمية الاجتماعية، مشكلة قلة الاستعداد للتعامل مع هذه الموجة. وفي إشارة إلى العدد الكبير من حالات سوء الاستغلال المبلغ عنها صرحت قائلة "في عام 2013، وقعنا اتفاقية ثنائية مع المملكة العربية السعودية، وقد واجهتنا تحديات". "يتم تهجير الفتيات دون تدريب قبل المغادرة. وقد شاركت الحكومة في تدريب حراس الأمن وغيرهم، بيد أنها لم تفعل ذلك مع العمالة المنزلية".

ليس هناك خبرة أو تدريب

وعندما تم الإبلاغ عن حالات سوء الاستغلال على نطاق واسع، حظرت أوغندا مواطناتها الإناث من الذهاب إلى الخليج للعمل في المنازل. وفي مايو، صدر قرار برلماني برفع الحظر الذي كان ينص على أنه لن يتم تسفير العمال إلا إلى البلدان التي وقعت أوغندا معها اتفاقيات.  

"لقد وقعنا مؤخرًا اتفاقية مع الأردن. كما أعدنا مراجعة اتفاقيتنا مع المملكة العربية السعودية. ولا نريد أن نرتكب نفس الخطأ الذي وقعنا به أثناء توقيع الاتفاقية مع السعودية. لذا، قمنا بتقديم الدعوة لتقديم مقترحات لإنشاء مراكز تدريب قبل السفر".

وفي وقت سابق، عندما كان يتم إرسال العمالة المنزلية من خلال القنوات الرسمية، كانت الوكالات نفسها من تتولى عملية تدريب العمالة قبل مغادرتها أوغندا.

"كان التدريب يتعلق باللغة، والثقافة وكيفية التصرف في المنزل وكيفية استخدام الأجهزة الإلكترونية ونحوه. ولكن لاتوجد معايير معتمدة للتدريب، بل تقوم كل وكالة بتعليم الأمور التي تراها مهمة".

وبالرغم من أن الوكالات مرخصة من قبل وزارة الخارجية، إلا أن الحكومة لم تكن تشرف على التدريب كما لم يتم إبلاغها به.

توقف التدريب تماما -رغم بدائيته - بمجرد بدء تنفيذ قرار الحظر، ويقول وكلاء التوظيف الذين تحدثنا إليهم إنه لم يقدم أي منهم وظائف لعاملات المنازل.

ومن غير المفاجئ أن يكون الحظر غير فعال، حيث واصل العمال السفر إلى الخارج. فعندما يكون لديك أعمام وأصدقاء يرتبون لك مسألة العمل والفيزا، لمَ الحاجة إلى وكلاء التوظيف إذن؟

لا توجد لدى الوزارة أرقام محددة لعدد الشكاوى المستلمة، إلا أن أتوكو تصرح أنها تتلقى الكثير من الشكاوى من أسر الضحايا. "عادة ما يذهبون عبر كينيا أو تنزانيا إلى دول الخليج. ثم تخبرنا العائلات بأنهم عالقون هناك بدون تأشيرة، أو في وضع سيئ".

"لا يمكنني العودة، لن يكون لي أي قيمة إن عدت إلى أوغندا بهذا الشكل. وأحتاج إلى مال لرد ديوني. كل ما أحتاج إليه العثور على وظيفة أخرى".

النجاح ولكن بأي تكلفة؟

"غادر معظم المهاجرين بشكل غير قانوني. وقد سمعوا عبر صديق أو قريب عن فرص متاحة لهم. إن التعاون مع هؤلاء الأشخاص المتواطئين في الكذب يؤدي بهم إلى المغادرة والتورط في المشاكل" تقول غريس موكاوايا، المديرة التنفيذية لمنظمة Platform for Labour Action، وهي منظمة غير حكومية تقدم المساعدة القانونية للعمال وتعمل على تثقيفهم، سواء كانوا من سوق العمل المحلي أو من المهاجرين .

حديث قبل المغادرة مع حراس الأمن داخل وكالة توظيف.

حديث قبل المغادرة مع حراس الأمن داخل وكالة توظيف.

حديث قبل المغادرة مع حراس الأمن داخل وكالة توظيف.

ظل الحد الأدنى للأجور في أوغندا 6000 شلن (أقل من دولارين)، ولم يتغير منذ تحديده في عام 1984.

وتصرح "لا أحد يحصل على راتب قليل بهذه الدرجة، ولأنه منخفض للغاية لا يمكن للمرء أن يتفاوض بشكل عادل. ثم بدأ الناس في السماع عن فرص عمل أخرى إذ منحت الاتفاقية الثنائية مع السعودية بوجه خاص تطلعات جديدة للأوغنديين، حتى عندما تم ايقافها.

"الكثير من المهاجرين يعانون والكثير أيضا يستفيدون. فمن ينجحون تتغير حياتهم. وقصص النجاح تشجع المزيد من الأشخاص للقيام بالمثل".

يعمل ابن عم موكاوايا أيضًا في أبو ظبي. "كان يحصل على 2000 شلن يوميًا هنا. ثم ذهب إلى هناك ويحصل الآن على مليون شلن. ويقول "أنا أعمل بجد، ولكني أحصل على الفتات. وسأبحث عن وظيفة أخرى". وتشير إلى أنه لم يقل أبدًا إنه سيعود".

انتقل عثمان * وصديقه مؤخرًا إلى أبو ظبي وتواصل مع منظمة Migrant-Rights.org.  وكان ما وُعد به هو راتب 2000 درهم كحارس أمن، ولكن ما حصل عليه هو 500 درهم للعمل في مخبز. وعلى الرغم من صراعه مع صاحب العمل وتقطع السبل به في الغربة، إلا أنه لا يريد المغادرة.

"لا يمكنني العودة. لن يكون لي أي قيمة إن عدت إلى أوغندا بهذا الشكل. وأحتاج إلى مال لرد ديوني. كل ما أحتاج إليه العثور على وظيفة أخرى".

سيتغلب عثمان وابن عم موكاوايا، حالهم كحال الآلاف من المهاجرين إلى الخليج من قبلهم، على المصاعب ويسردون قصص النجاحات عندما يعودون في النهاية إلى الوطن. وحتى ذلك الحين، يفعلون كل ما في وسعهم للنجاح وسط هذه الظروف السيئة للغاية.

بشكل عام، يذهب العديد من المواطنين إلى الشرق الأوسط كعمال منزليين، من خلال أماكن العبادة كالكنائس والمساجد، وقد ازدادت هذه الموجة منذ الحظر.

وتصرح موكاوايا بحسرة "قد يحصل عامل أوغندي في الشرق الأوسط على صفقة لجلب العمال المنزليين. وقد سمعت أنهم يحصلون على ما يصل إلى 300 دولار مقابل كل عامل. ويتواصلون مع الأئمة والدعاة الدينيين والقادة المحليين لمساعدتهم في جلب عمال، و يحصل كل منهم على نصيب من الصفقة، ما يجعلهم يشجعون النساء على قبول هذه الوظائف دون أي إدراك لعواقبها".

وتكون العبارات المستخدمة عادة كالتالي:  "عمتي، لقد وهبك الله نعمة عظيمة، وسيرسلك إلى..."

بعد المكوث عامًا في شوارع كمبالا دون وظيفة، يكون تصديق هذه العبارات أمرًا سهلاً.

المُتاجر مقابل الوكيل

الاتجار منتشر بشكل مهول. وتستخدم كلمة وكيل كدرع لعدم لفت الانتباه للمتاجرين بالبشر.

يدير نوح مايامبالا وكالة توظيف (توفر بشكل أساسي حراس أمن لدولة الإمارات العربية المتحدة)، وهو غير راضٍ عن إلقاء اللوم دائما على وكلاء التوظيف فيما يتعلق بمشاكل العمالة المهاجرة. وهو أيضا الأمين العام للجمعية الأوغندية لوكالات التوظيف الخارجية.  قبل أسابيع من رفع الحظر، عقدوا ورشة عمل في أحد فنادق كمبالا الراقية، وخلال استراحة القهوة وجدناه وزملاءه يتحدثون بعمق عندما قمنا بمقاطعة حديثهم.

"حاولنا (نحن الوكالات) تنظيم أنفسنا؛ ونعمل على رصد الوضع، ونقوم بالضغط من أجل رفع الحظر، بعد أن يتم تضمين بعض الشروط طبعاً".

وقد صرح مدافعًا عن مجموعته "قدمت أوغندا رسميًا عاملين منزليين إلى السعودية فقط. وقد بدأنا للتو العمل في هذا لمجال، حيث لم يكن لدينا أي خبرة سابقة. ثم بدأ المتاجرون في التدخل سريعًا. ولا يمكنك معرفة من عانى بسببهم حتى عبر الوكالة المرخصة".

"المُتاجر" بالنسبة لهم دائما ما يكون شخص لا أحد يعرف اسمه أو شكل وجهه وغالبا ما يكون مشكلة ناس آخرين ولا داعٍ لأن يهتموا لها.

سألنا نوح "إذًا هل يعني ذلك أن جميع الوكالات تتبع عمليات أخلاقية، والعمال الذين يقومون بتسفيرهم لا يواجهون أي مشاكل؟"

قوبل سؤالنا بصمت قاسٍ، وانتهت المقابلة.

في الحقيقة، قامت الجمعية بخطوات استباقية على نحو أسرع من الحكومة نفسها. إذ نظموا زيارات استطلاعية إلى الأردن والتقوا باتحاد وكلاء التوظيف هناك.

تشعر موكاوايا بأنه على الرغم من وجود مشاكل دائمة مع وكلاء التوظيف، إلا أن التدريب سيساعد العمال على معرفة إلى أين هم ذاهبين ونوع العمل المتوقع منهم القيام به على الأقل.

معظم الفتيات لسن مسلمات ولكنهن يضطررن إلى ارتداء الحجاب ولا يتم إخبارهن بذلك في وقت سابق".

من الجهل إلى الصراع

"تتمثل المشكلة في أن الحكومة لا تروّج لقائمة وكلاء التوظيف المرخصين. إذ توجد ليها قائمة متوفرة في مقر الوزارة ولكن كم من الناس سيتجشمون عناء الذهاب إلى الوزارة للإطلاع على القائمة؟ من المهم تثقيف العمال حول استخدام القنوات القانونية لتفادي التعرض للاستغلال. وينبغي أن تكون القائمة متاحة في مكاتب المجالس المحلية في القرى".

تقول موكاوايا: "عندما نحصل على شكاوى، لا يعرف معظم العمال حتى أسم من أخذهم، وإلى أين أخذوهم".

يعمل موسيس بينوغا منسقًا لفرقة العمل الوطنية المعنية بالاتجار بالبشر. ويتكون مكتبه من رجل واحد داخل مجمع مترامي الأطراف يضم الأقسام المختلفة لوزارة الداخلية، بما في ذلك قسم إصدار جوازات السفر. وفي مدخل المجمع يوجد ملصق كبير يمنح للأشخاص نصائح ضد الاتجار، وعلى الجانب المقابل لتلك اللافتة توجد خيمة يصطف فيها المئات من المواطنين للحصول على أوراق جواز سفرهم.

مثل أغلب الأماكن في أوغندا، تجد فيه فضاء مجتمعي نابض بالحياة؛ النساء فيه يرتدين فساتين ملونة والرجال ببدلاتهم الرسمية الأنيقة. ويصبح الغرباء أصدقاء في دقائق معدودة. وتنشأ روابط سريعة بينهم بسبب اسم القبيلة أو ابتسامة أو وجهة مشتركة... 

التأقلم مع الحياة في الخليج لا يزال يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة للأوغنديين، الذين اعتادوا أسلوب حياة اجتماعية نابضة بالحياة. ويساهم التدريب  قبل المغادرة في المواءمة بين هذه التوقعات والواقع.  

التأقلم مع الحياة في الخليج لا يزال يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة للأوغنديين، الذين اعتادوا أسلوب حياة اجتماعية نابضة بالحياة. وسيعمل التدريب المناسب قبل المغادرة على المواءمة بين التوقعات والواقع.

التأقلم مع الحياة في الخليج لا يزال يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة للأوغنديين، الذين اعتادوا أسلوب حياة اجتماعية نابضة بالحياة. وسيعمل التدريب المناسب قبل المغادرة على المواءمة بين التوقعات والواقع.

مع وجود هذه الأجواء، من السهل أن نفهم السبب الذي يجعل بينوغا يشعر بأن مشاكل الخادمات في دول مجلس التعاون الخليجي تواجه مشاكل تخلقها الخادمات وصاحب العمل على حد سواء.

ويستمر بينوغا "إن الأوغنديين ليسوا على دراية بالعمل هناك. وحتى أولئك الذين يذهبون من خلال الوكالات ليست لديهم معلومات صحيحة. ولذلك فتوقعاتهم تكون بعيدة عن الواقع الذي يكتشفونه بسبب عدم حصولهم على معلومات كافية. فهم لا يفهمون الثقافة أو متطلبات العمل، كما توجد مشكلة كبيرة بشأن الأكل. إذ لا يقال لهم إنهم سيحصلون على خبز فقط. فبالنسبة للأوغنديين، إذا لم نأكل الأوغالي (وجبة الذرة)، نشعر أننا لم نأكل شيء. وفي ثقافتنا يُعتبر تناول بقايا الطعام إهانة ".

ويضيف، "معظم الفتيات لسن مسلمات ولكنهن يضطررن إلى ارتداء الحجاب. ولا يتم إخبارهن بذلك في وقت سابق".

ويرى بينوغا أن إحاطة أرباب العمل وتهيئتهم للتعامل مع العمال قبل التوظيف لا يقل أهمية عن تهيئة العمال قبل المغادرة.

"يتوقع من العمال القيام بكل شيء دون راحة أو طعام كافيين. ويُجبرون على العمل حتى أثناء المرض. في الواقع، تشترط العديد من العقود على العمال في المملكة العربية السعودية في حالة عدم إنهائهم للعقد، دفع رسوم التوظيف ".

وعلى الرغم من أن التوظيف غير النظامي يعتبر جريمة في حد ذاته ويعزز الاتجار (التوظيف من خلال وسائل الخداع وإغراق الأشخاص بالديون لإستغلالهم)، إلا أنه لا يعتبر إتجارا إلا إذا قدم أحدهم شكوى.

"تعمل العديد من وكالات التوظيف العربية هنا بشكل غير قانوني باستخدام الثغرات. وهناك نوعان من التراخيص المتاحة. أحدهما داخلي والآخر خارجي. ويقول "ويحصلون على ترخيص داخلي ويعثرون على العمال ويرسلونهم إلى الخارج من خلال التعاون مع المجرمين ".

ووسط الجموع الكبيرة وتحت مظلة ملصقات الاتجار، لا بد أن يصطدم المرء بالضحايا المحتملين والمتعاونين في الاتجار. وفي الوقت الحالي، تمتلئ الأجواء بالأمل، حيث إن سراب أحلام الثروة والنجاح في الخليج أقوى من التقارير التي تثبت العكس.