من أجل النهوض بحقوق العمال المهاجرين في جميع أنحاء الشرق الأوسط

Header image

بيبي الصّباح في حوار مع موقعنا حول أوضاع العمالة المهاجرة بالكويت: نريد لهم الكرامة

انشر Find us on Twitter Find us on Facebook Find us on ... Share this via email
Apr 22 2018
الحديث عن حقوق العمّال المهاجرين ذوي الدخل المنخفض، ناهيك عن الدفاع عنها، يثير الإختلافات حتى في أفضل المجتمعات. وبالنسبة إلى بيبي ناصر الصباح، فقد شكّلت السنوات الـ15 من حياتها في هذا المجال، عملية مستمرة من توعية الذات من جهة والعمل الحقوقي من جهة أخرى. 

بصفتها مؤسس ورئيس جمعية "العمل الاجتماعي" (Social Work Society)، كانت الصّباح في طليعة النضال من أجل حقوق العمال المهاجرين المحرومين في الكويت. وكثيرًا ما تمضي أيامها بين مراكز الشرطة مع فريقها ضمن مسعاها لتحقيق العدالة للضحايا الأكثر تضرّراً، وتقديم الدعم للعمال الذين يرفعون تظلماتهم للسلطات.

تتواجد في المستشفيات؛ حيث تتفقّد حال العمال المعنّفين وتوثّق معلومات حول حالاتهم. وفي قاعات المحاكم؛ حيث تنسّق مع المحامين، وفي أيّ مكان بين مكتب الجمعيّة والسفارات والملاجئ. كما تقوم بالتعاون مع المنظمات المختصّة بشؤون المهاجرين ومع المحامين والسفارات.

أطلقت جمعية "العمل الاجتماعي" ومنظّمة "الخط الإنساني" مؤخراً حملة "سقف واحد" الوطنية لتغيير النظرة إلى العمّال المنزليين

أطلقت جمعية "العمل الاجتماعي" ومنظّمة "الخط الإنساني" مؤخراً حملة "سقف واحد" الوطنية لتغيير النظرة إلى العمّال المنزليين

سُجّلت جمعية "العمل الاجتماعي" رسميًا في العام 2005. وتشير الصباح إلى أنّه "قبل فترة طويلة من إصلاحات قانون العمل العام 2010

، وقبل سنّ قوانين منع الإتجار بالبشر، وقبل قانون العمالة المنزليّة؛ كنّا نعمل على المطالبة بإصلاح هذه السياسات".

وكونها منظمة كويتية، فإنّ وصولها وتأثيرها وامتيازها هي أمور بالغة الأهمّية، ليس فقط بالنسبة إلى العمال الذين يتلقّون منها الدعم المباشر؛ بل أيضًا بالنسبة إلى مجموعات المهاجرين المسجّلين رسميّاً وغير المسجّلين التي تقدم خدمات إغاثة وإنقاذ لا غنى عنها، والتي غالباً ما تكون بشكل غير مُعلن.

وفي حين تُقابل أقسى التجاوزات بالغضَب الشعبي والتفاعل الإعلامي، إلّا أنّ ممارسات الاستغلال التي تتكرر يوميا أصبحت أمراً عادياً لا يستحق الإهتمام.  خلال العقد الماضي أقرّت الكويت عددًا من الإصلاحات على نظام استقدام اليد العاملة؛ لكنّ تغيير بعض السلوكيات والمواقف السلبية للناس ما يزال صعبًا.  في أبريل/ نيسان، أطلقت كلّ من جمعية "العمل الاجتماعي" ومنظّمة "الخط الإنساني" (Human Line Organization) حملة "سقف واحد" (One Roof) الوطنيّة ضمن مساعٍ لتغيير النظرة إلى العمّال المنزليين ونشر التوعية المتعلّقة بحقوقهم.

محرّرة Migrant-Rights.org التقت الصّباح خلال الفترة التي سبقت إطلاق هذه الحملة، وتحدّثت معها حول ما يعنيه العمل الذي تقوم به هي وزملاؤها، والتحديات التي يواجهونها في الحفاظ على استمرار هذا النوع من التواصل مع الناس. وفيما يلي مقتطفات:

* كيف تحققين التوازن بين النشاط الحقوقيّ من أجل العدالة الاجتماعية والسياسة؟

ـــ في البداية، عندما بدأت العمل لم أكن أعرف كيفيّة تحقيق التوازن بين السياسة والنشاط الحقوقي. كنت أتّجه عادةً في اتجاه واحد: الدفاع ثمّ الدفاع ثمّ الدفاع. وبعدها أدركت أنّ الأمر بات يزعج الجميع. فتعلمت على مرّ السنين كيف أستخدم السياسة. الأمر برمّته يتعلق باللغة المستخدمة، وخصوصاً في العالم العربي. يمكنك الحصول على ما تريد، إذا كنت تعرف كيفيّة استخدام المصطلحات المناسبة. تحتاج أن تدرك كيف تطرح الموضوع، لن تكون الأمور في صالحك على الدوام إنْ كنتَ قاسيًا وصريحًا. لذلك انتقلت من رؤية كل شيء باللونين الأسود والأبيض، إلى رؤية اللون الرمادي؛ حيث يمكنك [هنا] إنجاز ما عليك فعله.

أحد الأمور التي ساعدَتْ هو الابتعاد عن وسائل الإعلام. ساعتَئذ يمكنك إنجاز العمل من دون التورّط في السياسة.

ومع حملة "سقف واحد" التي أُطلِقت حديثًا، فنحن نحاول التحرك بحذر، كمن يمشي على قشر بيض. إننا بحاجة إلى التحدث مع الناس حول هذه القضية الخطيرة من دون مهاجمتهم. وهذا يحتاج إلى نهجٍ ناضج، إن الحملة تدور حول تغيير المفاهيم.

 
 
 

* لماذا وكيف بدأتِ هذا العمل؟

ـــ تخرّجت العام 2003، وكنت أعمل في المتحف. أتذكر أنني كنت أشكو من حرارة الطقس، ومن حرارة عجلة القيادة في سيارتي الفاخرة. ثم رأيت رجالًا في مواقع العمل في الخارج. ورغم أنّني أذكر هذه الحادثة فقط، إلّا أن الأمر يتعدّاها. لا يمكنك العيش في هذا الجزء من العالم وتجاهل عدم المساواة. ربما كوني امرأة من هذا المجتمع، فقد كنتُ أكثر تعاطفًا. ولكنّ هدا لا يعني أن هناك مجالاً للمقارنة (بينها وبين العاملين). بالتّأكيد لا!

* يرى الكثير من الناس عدم المساواة، لكن لا يبادر الجميع إلى القيام بشيء [حياله].

ـــ نعم، يتجاهل الناس عدم المساواة. يغضبني أن الناس غافلون عن كلّ هذه القضايا. كنت أودّ سؤال الناس من حولي كيف يمكنهم أن يكونوا مرتاحين جدًأ؟ قبل أن أصبح أكثر هدوءًا وتصبح خطواتي موزونة، كان الناس الغافلون عن كل هذه القضايا يشكّلون مشكلة كبيرة لي.

لقد اعتدتُ التساؤل كيف أمكنهم أن يكونوا مجرّدين من الحساسية إلى هذه الدرجة. ثمّ تدرك حقيقة أنّه عندما يكون الناس مرتاحين، يغفلون عن  ما يجري حولهم من مشاكل. عليك أن تسترعي انتباههم، وعليك أن تكون مدركًا لكيفية القيام بذلك، واستخدام أسلوب اللغة المناسب.

لقد رأينا الفرق. إن كنتَ ستواصل التكلّم عن الصورة السيّئة والقصص المروّعة، فلن يستمر تركيز الأشخاص معك.  عليك القيام بذلك بشكل متوازن.

* أي أن  لا ننهي النقاش حتى قبل أن يبدأ؟

ـــ نعم. رأينا مؤخرًا الكثير من المظالم التي تحدث في صالونات التجميل. فقررت تسليط الضوء، في صفحاتي الخاصّة على وسائل التواصل الاجتماعي، على جميع صالونات التجميل الإيجابية والجديدة والأخلاقية.

كنت فقط أتحدّث إلى موظّفي الصالونات التي أذهب إليها. وإذا وجدت أنّهم يتلقّون معاملة جيّدة وأنّهم يعملون 8 ساعات، ويحصلون على مرتّب للسّاعات الإضافيّة ويوم عطلة، فأنا أقوم بمشاركة المعلومات عن المكان في صفحاتي على وسائل التواصل الاجتماعي. لم أتحدّث إلى مالكي الصالونات أبدًا.

بدأ الناس يلتفتون إلى الأمر. بدأوا بطرح هذه الأسئلة عندما يذهبون إلى أيّ صالون أيضًا. وصار أصدقائي يطلبون منّي أن أزور بعض الصالونات قبل أن يرتادوها.

* أي أنكِ كنتِ، نوعاً ما، مُرشدة سياحية؟

ـــ نعم بالضّبط، فأنت لا تريد الاستمرار في سماع أشياء سيّئة على الدوام. وبهذه الطريقة، ستعرف أن هناك مشكلة ولكنك ستعرف أيضًا أيّ الصالونات هيَ الجيّدة.

* هل أُرهق الناس من الشفقة والتعاطف؟ هل هذا هو السبب في أنهم تعبوا من سماع الأمور السيئة؟ مثلًا أخبار سوريا واليمن والعنصرية وأزمة الخليج…

ـــ هذا أمر مختلف. هناك أمور سيئة تحدث في جميع أنحاء العالم، وربما يصبح هناك بعض الإرهاق جرّاء ذلك. لكن الناس يريدون دائمًا معرفة ما يحدث في مجتمعهم المحلّي، ولا يمكنك منعهم. وحتى تلك المعلومات يجب أن يتم تنظيمها بشكل جيد، لأنها كثيرة.

* ماذا عنك شخصيًا؟

ـــ تعلمت أن أبعد نفسي قدر الإمكان وأن أحاول أن لا أتعلّق عاطفيًا. ولكنّ بعض الحالات تقطع القلب. اتُّهِمَت عاملة أفريقيّة بالقيام بأعمال السّحر؛ لأنّها ظلّت تتحدّث عن رجل مّا في رأسها. لقد تمّ الزجّ بها في السجن. استغرق الأمر بعض الوقت لتتحدّث إلي. ربّما كان هذا الرجل الذي تشير إليه زعيمًا روحيًا في مجتمعها، لكنّها بالتأكيد لم تكن تستحق أن تحتجزها الشرطة.

بعكس عقارب السّاعة: لولوة الرديني من منظمة "الخط الإنساني"؛ بيبي الصباح من جمعية "العمل الاجتماعي"، اللواء توحيد الكندري من الإدارة العامة للعلاقات والإعلام الأمني بوزارة الداخلية، وليد الخشتي من شركة زين، وعبداللطيف الشارخ من شركة الغانم للصّناعات

بعكس عقارب السّاعة: لولوة الرديني من منظمة "الخط الإنساني"؛ بيبي الصباح من جمعية "العمل الاجتماعي"، اللواء توحيد الكندري من الإدارة العامة للعلاقات والإعلام الأمني بوزارة الداخلية، وليد الخشتي من شركة زين، وعبداللطيف الشارخ من شركة الغانم للصّناعات

من اليسار: لولوة الرديني من منظمة "الخط الإنساني"؛ بيبي الصباح من جمعية "العمل الاجتماعي"، اللواء توحيد الكندري من الإدارة العامة للعلاقات والإعلام الأمني بوزارة الداخلية، وليد الخشتي من شركة زين، وعبداللطيف الشارخ من شركة الغانم للصّناعات

* بالحديث عن الشرطة، ما مدى حساسيتهم حيال هذا الموضوع؟

ـــ نحن على اتصال مع معظم مراكز الشرطة. كانت هناك حالة امرأة هندية حُبِسَت لمدة أربع سنوات [في بيت الكفيل] ولم تتذمّر لأنها كانت تتسلم راتبها. عندما لم يُدفع لها الراتب لثلاثة أشهر متتالية، تدبّرت أمر الخروج وقامت بتقديم شكوى. فأرجعها رجال الشرطة إلى كفلائها لأنهم "وَعدوا" بأن يدفعوا لها ويرجعوها [إلى بلدها]. كان الأمر سخيفًا وكان لا بدّ لنا أن نعالجه.

* ما هي الأمور التي كانت تصدّكم عندما بدأتم العمل ومِن مَن؟

ـــ كانوا يطلقون عليّ اسم "سيّدة الخدم". عندما كنا [في الجمعيّة] نطالب بحصولهم على الحد الأدنى للأجور، كان بعض الأشخاص "يتحدّثون" معي عن كيف أنّ لديهم أربعة أو خمسة عاملين منزليين؛ وبالتّالي كيف أنّ الحد الأدنى للأجور [في تقديرهم] عالٍ جدًا. هؤلاء كانوا أشخاصًا من طبقتي الاجتماعيّة نفسها، يحملون في أيديهم حقائب بقيمة آلاف الدولارات، ويشتكون من نضالي في سبيل الحد الأدنى للأجور. كنت أقول لهم إنه أمر محرج حقّاً أن يتكلّموا معي عن هذا الأمر في ذات الوقت الذي يحملون فيه تلك الحقيبة.

* هل تغيّرت نظرتهم؟

ـــ نعم، لقد رأينا الكثير من التغيير. في ذلك الوقت، لم يكن الأمر ذا معنى بالنسبة لهم، وأعتقد أن وكلاء التوظيف غيّروا نظرتهم أيضًا. كان الأمر بمثابة صدمة؛ إذ أدركوا أنّهم يدفعون الكثير لاستقدام عامل منزل، ولكنّ هذا العامل لا يحصل على شيء. إنّ جزءاً من الصّدمة كان شعورهم بالغضب من وكلاء التوظيف، لكنه تحوّل في نهاية المطاف إلى تعاطف مع العمّال. هذا الأمر حدث عند بعض الناس، ولكنْ بالنسبة لآخرين، كان الأمر مجرّد مال يُدفع والعمّال مجرّد سلع.

* الجميع يعتقد أنه هو الضحية وأنّ حقوقه في خطر؛ فقط لأنّ أحد العمال، في مكان ما، كان على الجانب الخطأ من القانون. هل هذا نوع من العقاب الجماعيّ [للعاملين]؟

ـــ لا أريد حتّى أن أتطرّق إلى هذا الموضوع. فقط لنلقِ نظرة على "معادلة القوة". [هذا أمر] لا يمكننا المسّ به. إذًا فلننظر إلى قوانين الإقامة، ونظام "الكفالة" وما يترتب عليه من حالات "فرار". سنرى أنّ هذا الأمر ليس صائبًا.

هناك بعض التغييرات ولكنها بطيئة. كان من السهل جدًا اتهام عامل بالسّرقة. كانت الشرطة تتلقى شكاوى أرباب العمل كحقيقة راسخة، فيحبسون [العامل] من دون دليل. أمّا الآن، يدرك الكثير من عناصر الشرطة أنّ هذه الحالات ملفّقة، لذلك يطلبون رؤية إيصالات دفع السلع الّتي سُرِقت. ولكنّ أصحاب العمل أذكياء، أصبحوا الآن يقولون إنّ المسروقات هي مال نقديّ.

2018-04-20-PHOTO-00030219

* هل تعتقدين أنك تمكّنت من تحفيز النقاش في المجتمع حول [موضوع العمالة]؟

ـــ لا نعتقد أن هذا الموضوع سيكون موضوعًا بارزًا على الإطلاق. وهذا لا يتعلق بالكويت فقط أو بالمنطقة، إنّ الأمر سيّان حول العالم. يعترينا الاستغراب عندما نتناقش مع الأجانب ونسمع آراءهم حول الموضوع.

رغم ذلك فقد شهدنا بعض التغيير. فهم قد يردعون أنفسهم من القول "خادمة" ويستخدمون بدلًا من ذلك "عاملة منزل". أو قد يتحدثون [مع عامليهم] بالطريقة المناسبة أمامنا.

اقترح أحد زملائي في حملة "سقف واحد" أن نحوّل قضيّة الدفاع عن حقوق الإنسان إلى أمر شائع أو موديل يحاكي "موضة العصر". أيّ أنك إذا كنت من "متابعي آخر صيحات الموضة"، فستتعامل مع العمال بشكل جيد، ولن تفرض الزيّ الرسميّ ليرتدوه، وستسمح لهم بالخروج [للاستمتاع]. يبدو الأمر مضحكًا، ولكن قد ينجح الأمر في بيئة تتّبع "الموضة".

* تُظهر قائمة مهام الفريق التعاوني على هاتفك المئات من الحالات العالقة لعمّال في محنة يسعون لأن يتم انصافهم واسترداد حقوقهم...

ـــ نعم، هناك صعوبة في الوصول إلى العدالة؛ لأنه من الصّعب العثور على محامين، الأمر يكلّف كثيرًا. يقوم مركز "العمل الإنساني للدعم القانوني" (Humanitarian Foundation for Legal Aid) بجهد رائع في هذا الصّدد، ومن دون مقابل؛ ولكنّنا بحاجة إلى المزيد من المساعدة. إذا لم نوكّلْ 15 محامٍ بدوام كامل للقيام بهذا العمل، فسيكون الأمر مستحيلًا. سيكون مكلفًا جدًا، ولن نكون قادرين على الدعم.

* ما هو الشيء الّذي تودّين تغييره على الفور؟

ـــ نريد أن يحظى الناس بالكرامة، وأن يروا أنّ الجميع متساوون. هذا مطلبٌ كبير جدًا. قد أفكر في أنني أريد أن أطالب بيوم عطلة لهم للاستمتاع بالحياة، لكن بعدها أفكّر في حصولهم على أجورهم المنصفة التي وُعدوا بها، ولكن بعدها أفكّر بشيء آخر. من الصّعب اختيار أمر واحد.

* أين تريدين أن تري تغييرًا على المدى الطويل؟

ـــ أنا أحبّ بلدي كثيرًا. الأمر لا يتعلق بي أو بجمعية "العمل الاجتماعي". السبب في أنني أقوم بما أقوم به هو أنّني أحب بلدي كثيرًا وأنا مرتاحة جداً هنا، ويزعجني أنّ الآخرين ليسوا كذلك. يجب أن يأتوا إلى هنا ويعملوا ويعيشوا قصصًا جميلة. كنا نسمع عن الكثير من قصص النجاح حول أناس عاديين عملوا في الكويت وبنوا أحلامهم. لم نعد نسمع هذه القصص. أصبحوا الآن يغادرون مع قصص رعب، وأنا أريد تغيير هذا الأمر. أريدهم أن يغادروا وهم يقولون أنّهم عاشوا تجربة مدهشة خلال عيشهم وعملهم هنا.