من أجل النهوض بحقوق العمال المهاجرين في جميع أنحاء الشرق الأوسط

[قصص من المنشأ] الصيّادون الهنود في قطر: عالقون في مشكلات السياسات الحدودية

انشر Find us on Twitter Find us on Facebook Find us on ... Share this via email

"قصص من المنشأ"، هي سلسلة مقالات تستقصي تجارب حياة العمال المهاجرين وعائلاتهم. هنا الجزء الثاني من مقالة ثلاثية عن الصيّادين المهاجرين من أقصى جنوب الهند

Aug 15 2016

 في العام 2014 احتُجز "ساشيكومار" وزملاؤه لمدة ثلاثة أشهر في جزيرة "كيش" بإيران عندما اجتاز قاربهم المرخّص  في قطر حدود المياه الإقليميّة .

وبعد عشرة أسابيع من الاحتجاز والضياع بين البلدين غارقين في خلافات السياسات الحدودية غادر الصيّادون الخمسة الدّوحة. أقاموا في غرفة صغيرة تضم ثمانية أشخاص في مدينة "الوكرة" الساحلية المجاورة لها. ومن هناك تحدّثوا إلى Migrant-Rights.org عن كابوسهم الذي ابتدأ في عرض البحر واستمرّ معهم على اليابسة في قطر بعد عودتهم لها، مع تعقيدات نظام الكفالة الذي أعاق حركتهم وتنقلهم.

كان قد مضى عام ونصف العام على إطلاق سراح "ساشيكومار" عندما التقينا زوجته "شيلا" في منزل صغير أسفل حارة ضيقة تصطف على جانبيها أكوام من السمك المجفّف. وعندما تمكنّا من اللقاء بـ"ساشيكومار" كان هو وزوجته ينتظران قدوم مولودهما الأول بعد طول انتظار.

ابتلعت دموع شيلا قدرتها على الكلام وهي تخبرنا عن الضغط الذي تعرّضت له طيلة الأشهر الماضية التي انتهت بثبات حملها: "أخيراً تمكنتُ من الحمل بعد عشر سنين، ثمّ…".

قصة "ساشيكومار" ليست خفية على أهل القرية، فقد ذهب إلى قطر منذ عشرين عاماَ كي يضمن مستقبلاً لأهله وزواجاً مستقراَ لشقيقته، ومِن ثمّ ليؤسس عائلته الخاصة.

تقول "ساكونثالا"، عضوة منظمة الاتحاد الوطني لعمال المنازل (NDWF) غير الحكومية والمهتمة بعائلات عمال الصناعات السمكية، إن نساء هذا المجتمع تتمتعن بمؤهلات علمية عالية على نقيض الذكور. ورغم ذلك فهنّ تفضّلن الزواج من داخل المجتمع وتدفعن مهوراً عالية للزواج لقاء التزام الرجال بتأمين نمط حياة تليق بهن.

يلتقط "الأب تشرشل" خيط الحديث. "هؤلاء الرجال الذين يقضون وقتاَ طويلاَ في الخارج يُرضون رغبات زوجاتهم بتأمين بيوت مريحة لهن، والتمتع بإجازتهم القصيرة على الشاطيء برفاهية تعوضهم بعض الشيء عن أيامهم المضنية في البحور الهائجة".

يمثل هذا سبباً بسيطاً لهجرة 60% من ذكور منطقة "كانياكوماري". وتعلّل "ساكونثالا" ذلك قائلة: "عليهم الدفاع عن وجودهم نظراً إلى أن الحكومة لا تقدم لهم أي دعم، فالهجرة هي السبيل الوحيد لتأمين وضعٍ اقتصاديٍ جيدٍ. حيث تتراوح عائدات الصيد ما بين 150 و200 روبيّة في اليوم. بينما من دول مجلس التعاون الخليجي بإمكانهم تحويل مبالغ تتراوح ما بين 30 إلى 40 ألف روبيّة شهرياً. وتصل إلى 100 ألف روبيّة في مواسم الصيد الجيّدة".

نظراً لقلة وعي الصيادين فهم لا يحملون معهم نسخة مصورة من جواز السفر. حالياً يعمل "الاتحاد الوطني لعمال المنازل" على إقامة معسكر تثقيفي لتعليمهم وحثهم وعائلاتهم على حمل نسخة من جوازات السفر والأوراق اللازمة، وتجنيبهم صعوبة تأمينها في حال تعرضهم للاعتقال. إضافةً إلى المساعي الجارية لمحو أميتهم المالية بغية تجنيبهم أيضاً الوقوع في دوامة الهجرات المتتالية من أجل تسديد الديون فقط.

لكن هل تفضل "شيلا" التي تتولى إعالة الأسرة من خلال عملها في الخياطة بقاء "ساشيكومار" في الهند؟

تشير "شيلا" إلى البحر الذي نسمع هدير أمواجه من وراء جدران منزلها من دون أن نراه، ثم تقول: "أصيب ساشي بصدمة بعد تحطّم قاربه في إحدى رحلات الصّيد في البحار العميقة. لم يكن هناك من يساعده، لقد ظلّ متشبّثاً بقطعة خشبيّة إلى أن صادف مرور سفينة شحن بحري قريباً منه فانتشلته. لقد نجا بحياته؛ لكنّه الآن يخشى العودة إلى تلك البحار مرة أَخرى".

"انتظري، سأرسل له كي يتصل بنا، إنه يود التحدث إليك فاسأليه بنفسك".

سرعان ما رنّ الهاتف وظهر رقم إيراني على الشاشة.

فبعد أشهر قليلة من عودته، في شهر فبراير من عام 2015، كان قد صعد إلى ظهر المراكب مرّة أخرى متجهاً في هذه المرة إلى إيران. لقد ساعده رجل محترم أثناء احتجازه في جزيرة "كيش" وقدم له عرض عمل.

"كيش" منتجع سياحي وسجن

"إنها جزيرة عظيمة"، يقول "بينجامين" أحد مُحتجَزي عجمان. بينما تتولى زوجته متابعة الحديث كلما توقف عن الكلام هازّاً رأسه، لكأنه يقول: "لن أعاود الكرة أبداً".

هاجر "بينجامين" إلى الخليج في يوليو 2015، بعد أن دفع 35 ألف روبية. ويعيد لنا سرد ما جرى معه ورفاقه عندما أبحروا في 15 نوفمبر. "أبحرنا بخمسة قوارب، أربعة منها تعود ملكيتها لكفيلٍ من عجمان، بينما قاربي يملكه كفيل من الشارقة. كنا نعمل في عجمان وقد اعتدنا الاقتراب من الحدود الإيرانية بغية الحصول على صيد أكثر وفرة لتجنّب غضب الكفلاء وخشية استغنائه عنا".

"بسبب الرّياح العاتية، رسونا جميعاً على جزيرة خارج ساحل الإمارات العربيّة المتحدة. وهناك أعلَمَنا كابتن أحد القوارب بأنّ كفيله قد دفع مبلغاً لحرس السواحل فأوغلنا جميعاً باتجاه المياه الإقليمية الإيرانية. حيث يحلو الجنْي وتتوافر غلال السمك".

وعن طريقة عمل طاقم الصيادين في البحر تحدث قائلاً:

"يبقى الكابتن في القارب. كل قارب مزود بثلاث طوافات يصعد عليها الطاقم عادة مع الشباك للبحث عن الأسماك، ثم تُسحب عند امتلائها إلى القارب. ويتم التواصل بين الكابتن والطاقم عن طريق اللّاسلكيّ".

في الأول من كانون الثاني انطلقوا للصيد.

"أخبرَنا الكابتن عبر اللاسلكي أنه قد تمّ القبض عليهم طالباً منا قطع الشّباك والهرب بعيداً. إلا أن حرس الشاطيء تمكّن من اللّحاق بنا وإلقاء القبض على 49 صياداً. كنا على متن ثمانية قوارب وتمكن ثلاثة من الهرب.

إذاً، لم تتمّ رشوة خفر السواحل؟

"لا أعتقد أن رشوة خفر السواحل أمرٌ حقيقي. إنما أخبرونا بذلك لدفعنا نحو التقدّم بدون خوف".

أبقت حصة ضئيلة من المؤن "بنجامين" ورفاقه أحياءً لمدة ثلاثة أشهر صعبة، على متن قاربهم الرّاسي عند أطراف جزيرة "كيش".

"عندما يُفقد الصيّادون، لا تعلم حكومتهم إلا عندما نراسلها بأنفسنا!"

تجريم غير ضروري

بالنظر إلى طبيعة منطقة الخليج الجيوسياسية، لا يتعلق احتجاز الصيادين بسبب اجتيازهم الحدود فقط.

"خلال هذه الفترة، أرادت إيران التفاوض مع دولة الإمارات من أجل عتْق قارب لها كان قد تم احتجازه سابقاً في الإمارات مقابل فك حجْز قواربنا الخمسة. لكنّ دبي لم تقبل التفاوض حول ذلك معتبرة أن هذه مجرد حادثة جنوحٍ. تمّ إعلامنا أنه لا يمكننا الاعتماد على المفاوضات، إنما يتعيّن علينا الاستعانة بالسفارة عن طريق الأخت فالارماثي، عضوة الاتحاد الوطني لعمال المنازل".

وهكذا تمت في الثالث من  مارس إعادة "بنجامين" وزملائه إلى بلادهم.

حسب تقديرات "الأخت فالارماثي"، فإنّ هناك ما بين 10-15 صياداً ينتظرون إطلاق سراحهم من أًصل 70-80 صياداً تم احتجازهم خلال عام 2016 وحده.

من جهته يعبر "الأب تشرتشل" عن أسفه من ضعف تأثير السفارات الهندية في دول المهجر: "كيف بإمكان العمّال الاقامة في بلد لا تعرف سفارتهم فيها عنهم أي شيء! عندما يُفقد الصيّادون، لا تعلم حكومتهم إلا عندما نراسلها بأنفسنا! وعندما يُلقى القبضُ عليهم أو يُحتجزون في الدول المجاورة يفضِّل الكابتن إعلام الكفيل مباشرة بدل إبلاغ السلطات الهنديّة".

كما يعبر عن استيائه من تجريم الصيادين لمجرد اجتيازهم الحدود: "يجب إجراء محاكمات سريعة للصيّادين الذين يُضبطون متجاوزين للحدود. إذ ليس بإمكانهم تحمل عواقب الاحتجاز والبقاء دون مورد مادي بعد انقطاعهم عن استلام رواتبهم لعدة أسابيع أو أشهر".

ولأنه على دراية تامة برغبة دول الخليج وإيران بحماية ثرواتها السمكية، لأسباب بيئية أو اقتصادية، فهو يقترح بهذا الخصوص: "إبرام اتفاقية بين دول الخليج تقوم وفقاً لمعايير هيئة مصائد التونة في المحيط الهندي ، بما يؤمن بعض الحماية للصيادين". على أن يكون للحكومة الهندية دورٌ في هذه الاتفاقية، حيث أن مواطنيها معنيون بهذا الأمر".

ويقول "بنجامين" إنه لا يمكن الاعتماد على بحار دبيّ وحدها. المشكلة أنّ الصيد وفيرٌ في إيران؛ لكنّ اقتصادها متردٍّ. لذلك يتجه الجميع إلى أسواق الإمارات العربية المتحدة لبيع السمك.

"لم نكن ندرك المخاطر قبل ذهابنا إلى دبيّ. وبعد ذهابنا لم يكن لدينا خيار سوى العمل مهما بلغت كلفته. وكالات السفر تلعبُ دور وكيل التوظيف واستقدام العمّال بدون تزويدهم بالتوجيهات أو التدريبات الملائمة".

رغم أنّ "بنجامين" يعتقد بأن لكلّ فرد تجربته الخاصة، إلا أنه يعتقد أنّ الكُفلاء الأفضل هم مالكو المراكب الأكبر؛ إذ يتمتعون بخبرة أوسع.

"هل ترغب بالعودة"؟

يُلوّح بنسخة باهتة لجواز سفر هندي مؤقت في يده، ويجيب:

"لا. فأنا لا أملك حتى جواز سفر أزرق. فقط هذا الجواز الأبيض".

الحلقة السابقة:  الصيادون الهنود بين الشيطان وأعماق البحر