لقد وصلت إلى المقالات الرئيسية

تهمة الهروب: الكمين الأشد انتهاكاً المنصوب للعمال المهاجرين

في 7 أكتوبر 2020
كانت كيت وميا* تحملان تأشيرة العمل المنزلي، إلا أن صاحب عملهما قام بإيوائهما في مكان إقامة منفصل، وتم تشغيلهما لتقديم خدمات لأسر ومؤسسات أخرى. وفي حين كان بحوزتهما بطاقة الهوية القطرية إلا أن جوازاتهما تمت مصادرتها. وعندما تأثرت هذه الأعمال بسبب كوفيد 19، تُركت المرأتان دون راتب أو بدل لتغطية طعامهما." لم نُعطَ أي طعام، ولا حتى مستلزمات صحية. ساعدنا بعض الأشخاص الطيبين في توفير ذلك".
 في مايو، تلقت كلاهما رسالة نصية تتضمن تهماً موجهة ضدهما بالهروب. "كنا مازلنا في مكان الإقامة الذي توفّره "المدام". فكيف يمكننا الهروب؟"
وبعد رفع شكوى مضادة لدى الوزارة، ومناقشات امتدت لأسابيع تالية، جاءتهم "المدام" واصطحبتهما بسيارتها، وأوصلتهما إلى مأوى سفارتهما ومعهما تذاكر سفر مفتوحة، وجوازي سفرهما، ولم تحصل أي منهما على رواتبها المستحقة.
كل ذلك، ولم تتلقِ صاحبة العمل حتى نقرة خفيفة على معصمها، برغم انتهاكها العديد من القوانين، إذ قامت بمصادرة الجوازات، السماح للعاملات وهن تحت كفالتهم بالعمل لدى أطراف ثالثة، عدم دفع الأجور، وعدم تزويدهما بالطعام، أو البدلات أثناء الجائحة.

وتعتبر القدرة على إلصاق تهمة الهروب بعمال المهاجرين هي الأداة الأقوى في يد أصحاب العمل، إذ بإمكانها أن تقذف بهن في خضم أوضاع بالغة الهشاشة، ليصبحوا عرضة للعمل تحت ظروف مسيئة، والتحول إلى عمالة غير نظامية، والغرامات الباهظة، والاحتجاز، والترحيل إن تمكنوا من دفع الغرامات، فقدان الدخل، المنع من العودة، هذا عدا التأثيرات السلبية على صحتهم العقلية والجسدية.

ويتم تقديم بلاغات الهروب من قبل أصحاب العمل ضد العمال الذين يتغيبون عن العمل. ومع ذلك فهناك قليل من الاهتمام والاعتراف بالأسباب التي قد تدفع العامل لفعل ذلك، وللأساليب التي يتواصل من خلالها سوء استخدام هذه التهم.

ولا تتجاهل دول الخليج تفشي سوء استغلال تهم الهروب فحسب، وإنما تحفّز وتسهّل عملية التبليغ.

وأعلنت دبي مؤخراً "أن المقيمين الذين يقومون بإبلاغ السلطات عن هروب عاملات المنازل سيكون بإمكانهم استعادة 10,000 درهم إماراتي من رسوم التوظيف إذا ما تبين أن العاملة تعمل في مكان آخر بشكل غير قانوني. " كما تم تحذير المقيمين أيضاً بدفع غرامات تصل إلى 50,000 درهم إماراتي إذا لم يبلغوا عن هذه الحالات. (وسيتم اقتطاع المبالغ المستردة من غرامة الـ50,000 درهم إماراتي التي تفرض على الذين يقومون بتشغيل مثل هؤلاء العاملات).

وفي السعودية، لا يتجاوز الإبلاغ عن هروب العاملات "مجرد نقرة واحدة". وعملياً، توجد طريقتان فقط لتخليص العاملات أنفسهم من شكوى الهروب: إما الذهاب إلى مراكز ترحيل، ودفع الغرامة التي تصل إلى 10,000 ريال سعودي، بعد ذلك يتم الترحيل وحظر العودة لمدة خمس سنوات. لكن هذا السبيل يغلق أمام العاملات إذا ما تقدم الكفيل ببلاغ بتهمة السرقة (اقرأ مقالنا حول المطلوبونأو القيام بدفع رسوماً باهظة لـ "وكيل التوظيف" أو للكفيل لإلغاء التهم. وفي البحرين، قالت العديد من العاملات اللاتي تحدثنا اليهن أن أصحاب عملهن ساوموهن على دفع رسوم باهظة في مقابل إلغاء قضايا الهروب". 

في قطر، يسهّل نظام "مطراش" الإبلاغ بشكل مماثل، أي بضغطة زر من أجل "توفير الوقت والجهد". ولم يوفّر ولو جزء يسير من هذه التسهيلات للعاملات لتقديم بلاغات ضد أصحاب العمل المسيئين والذين، للمفارقة، هم من يدفعونهم للهروب في المقام الأول، أو للحفاظ على أنفسهن.  

وصلت ريفاثي إلى الإمارات في 2012 للعمل في شركة تنظيفات بالنظام الجزئي في المنازل. وبرغم أنها تحمل تأشيرة منظّف المدرجة تحت قانون العمل الإماراتي، إلا أنها كانت تقوم بأعمال منزلية. وبسبب الإغلاق، لم تكلّف ريفاثي، أو أي من زميلاتها بالقيام بأية عمل خلال الشهور الستة الماضية. ولم تتسلم أي منهن رواتبهن، ولا بدلات عن الطعام والسكن.
"طلبنا بدلاتنا، لكنهم رفضوا. وبعد أن قضينا شهراً تحت الإغلاق، طلبوا منا التوجه إلى المكتب، ثم طلبوا منا العمل كعاملات مقيمات. وهو أمر لم نقبله. بعد ذلك دفعونا للاستقالة وتوقيع استمارة لإلغاء التأشيرة، لكنني رفضت ذلك."
وبعد ذلك بفترة وجيزة، تلقت ريفاثي اشعاراَ من السلطات بأن صاحب العمل وجه تهمة الهروب ضدها. كما قام صاحب العمل بمصادرة جوازها، وهو أمر غير قانوني بحسب قوانين العمل الإماراتية.
"استسلمت الأخريات اللاتي قضين سنوات قليلة في الخدمة لأنهن مستحقاتهن ليست كثيرة. لكنني لم أتمكن من فعل ذلك. فقد عملت لمدة ثماني سنوات ولي الحق في الحصول على مستحقاتي ومكافأة نهاية الخدمة. وسوف أخسر كل ذلك إذا ما قمت بالاستقالة. وأخبرت توافق (المركز الذي يقدم خدمات الوساطة لحل النزاعات العمالية) بذلك. والآن لدي قضية مرفوعة لدى المحكمة العمالية."
وكان عليها دفع 95 درهم إماراتي (26 دولار أمريكي) لإلغاء تهمة الهروب، و160 درهم إماراتي أخرى (44 دولار أمريكي) لـ "تسهيل" (مركز طباعة) لرفع قضية ضد صاحب عملها. بعد ثماني سنوات من العمل، كان تحصل على راتباً شهرياً قدره 1600 درهم إماراتي بالإضافة إلى بدل طعام وسكن قدره 300 درهم إماراتي و500 درهم إماراتي على التوالي. وبلغت مستحقات التسوية النهائية لدى الشركة 13,000 درهم إماراتي، وتذكرة العودة.
وتريد ريفاثي الحصول على مستحقاتها، وبعدها إما أن تغادر البلد أو أن تقوم بتغييّر صاحب عملها.

وعلى عكس قوانين العمل الواضحة (برغم أنها لاتزال تمييزية) المتعلقة بعدم دفع الأجور، وانهاء العقد والترحيل، فإن تهم الهروب تشتمل على عدة مراحل من التقاضي، ولا تتوفر سوى معلومات قليلة عنها، وأحياناً تنعدم المعلومات التي تساعد العاملات في استخدام آليات العدالة للتخلص من التهم. وفيما يتعلق بتصريح الخريج، الذي لايزال مطبقاً، هناك إجراءات لابد منها، كما أنها سهلة الوصول اليها من قبل العاملة. كما أن إجراءات تغيير الوظيفة (سواء بموافقة صاحب العمل أو بدونها) أيضا معرّفة بشكل واضح.

لا شيء من شروط التوظيف هذه يعتبر عادلاً. إلا أن الإجرام الصريح للنية يبدو أكثر وضوحاً في تهم الهروب، مع بذل دول الخليج كل جهد ممكن لجعلها سهلة الاستخدام وأيضا سوء الاستخدام. وكما هو الحال في جميع انتهاكات الحقوق، فإن عاملات المنازل، والمرأة بشكل عام هن الأكثر تضرراً من تهم الهروب.

وفي الغالب، يتبع العمل المنزلي في الخليج نموذج العاملات المقيمات. وتعتبر آليات التظلمات والإنصاف ضعيفة حتى في الدول التي لديها قوانين للعمال المنزلية، ويتطلب أغلبها حضور العاملة شخصياً لتقديم الشكوى. وتعتبر مساحة التفاوض في مثل هذه الحالات ضيقة، وغالباً ما تتطلب من العاملة العودة إلى منزل صاحب العمل، المتهم أصلاً في هذه الشكوى. وعندما لا يتوفر النظام الذي يمنح الأولوية لشكوى العاملات، ولا يوفر المأوى لمن يتركن المنازل التي يتلقين فيها الإساءة والانتهاك، فإن العاملة تجد نفسها أمام خيارين فقط: إما استمرار العمل تحت الظروف المسيئة بأمل تحسن الأوضاع، أو المخاطرة بمغادرة المنزل. وهذا يبرر اضطرار العاملات لـ "الهرب" والبحث عن مكان آمن يحتمين فيه.

وفي خلال أزمة كوفيد 19، عندما يكون الأمر بيد أصحاب عمل غير مسئولين وانتقاميين، فإن تهم الهروب كانت تستخدم لنقض الالتزامات العقدية بما في ذلك توفير الإقامة والطعام، حتى في حالة عدم دفع الرواتب. وهذه التهم الباطلة كانت تفرض على العاملات اللاتي يُعتبرن مزعجات، وهن اللاتي يطالبن بأن يتم دفع رواتبهن في الوقت المحدد كما وُعدن بذلك.

في إحدى مراسلات الواتس أب التي اطلعت عليها MR، تصر العاملة على أن تتسلم أجورها المستحقة عن ثلاثة شهور، بينما كان صاحب العمل يتعهد بـ"ابكائها" ووضعها في السجن خلال الأيام القليلة المقبلة.

وكما هو متوقع، قام صاحب العمل بتقديم شكوى هروب ضد العاملة. إلا أن هذه التهمة كانت باطلة لأن العاملة كانت قد سبقته بتقديم شكوى عمالية لعدم الدفع قبل يوم واحد. وفي اليوم التالي، كانت لاتزال عرضة للقبض عليها والمثول أمام القاضي والدخول في عملية لم تستطع فهمها. وعندما اتضحت القضية، تبيّن أن صاحب العمل اتهم العاملة بالسرقة بالإضافة إلى الهروب من العمل. وبعد مرور شهرين، كانت العاملة لاتزال رهن الاحتجاز دون توفّر الموارد التي تساعدها على تبرئتها من هذه التهم.

حمد، وصل إلى قطر في أبريل 2018 بعقد مدته عامين للعمل كسائق ليموزين. وكان من المفترض أن يحصل على راتب أساسي قدره 1,600 ريال قطري، وبدل طعام قدرها 300 ريال قطري، وسكن وتغطية صحية. ولدى وصوله، ُأعطي سيارة من قبل الشركة، وُأخبر أنه لن يستلم راتباً، وبدلاً عن ذلك فإن عليه أن يدفع 2,500 ريال قطري لشركة الليموزين مما سيكسبه مقابل خدمات التوصيل التي سيقوم بها. وتمت مصادرة جوازه. لعدة شهور بعد ذلك، لم يتسلم أجوره وعاني في سبيل دفع المبالغ المقطوعة التي كان عليه أن يدفعها للشركة. وفي يناير هذا العام، أُخذت السيارة منه بسبب فشله في دفع الرسوم الشهرية وتراكم المتأخرات عليه. ومع عدم حصوله على أي دخل، وبسبب الحال البائسة التي كان عليها أصلاً، كان تأثير الإغلاق بسبب كوفيد 19 أكثر حدة عليه. وكانت صلاحية بطاقة الهوية قد انتهت. وبرغم أن أنه كان على تواصل مستمر مع صاحب العمل من أجل إيجاد حل مشكلته، إلا أنه تسلّم، في الأسبوع الثالث من يناير 2020، رسالة نصية من خدمات "مطراش" تبلغه بأن هناك تهمة بالفرار مقدمه ضده.
ولا يتحدث حمد، القادم من سريلانكا العربية بينما يجيد التحدث بالقليل من الإنجليزية. وقد تمت إحالته إلى إدارة الأدلة الجنائية والمعلومات  بوزارة الداخلية ، من قِبل وزارة التنمية الإدارية والعمل والشئون الاجتماعية. وهنا هو المكان الذي ممكن أن تتم فيه التبرئة من كل هذه التهم قبل التقدم بطلب تحويل الكفالة. لكن محاولته الأولى باءت بالفشل بسبب عدم وجود من يساعده على شرح سير الإجراءات. وصاحبه شخص يجيد العربية في محاولته الثانية يوم الأحد التالي. ولكن قبل يومين من مثوله أمام إدارة الأدلة الجنائية والمعلومات، أصيب حمد بألم شديد في المعدة وتم نقله على وجه السرعة إلى الطوارئ حيث أجريت لهه عملية جراحية لإزالة الزائدة الدودية. وبرغم أن وضعه غير النظامي لم يتعارض مع حصوله على الرعاية الصحية (تقدم مجاناً)، إلا أن المستشفى قام بإبلاغ السلطات عنه، وتم أخذه مباشرة إلى مركز الاحتجاز. وبعد عدة أسابيع تم ترحيله.

وبحسب المحامية القطرية، حنان عبد الرحمن التي تقدم استشارات قانونية بدون مقابل للعمال المهاجرين، فإنه لا حدود لاستحقاقات الشركات. " عندما يتغيب الشخص عن عمله، الشيء الطبيعي الذي يمكن فعله هو انهاء عقده، وليس سجنه. فبنقرة واحدة على الزر، بإمكان صاحب العمل العبث بحياة العامل دون إجراء تحقيق جدي في الاتهام".

وتسمح أحكام قوانين العمل في جميع دول الخليج لأصحاب العمل باتخاذ إجراءات تأديبية تجاه العمال الذين يتغيبون عن العمل بدون إذن . ومثال على ذلك الفقرة 10 من المادة 120 في قانون العمل الإماراتي ، والفقرة 5 من المادة 107 في قانون العمل البحريني،. والفقرة 9 من المادة 61 في قانون العمل القطري .

وعندما تتوفر أحكام في القانون بشأن تقديم شكوى بتهمة الفرار فإنها تستخدم لمضايقة العامل. وفي الغالب فهي دائما ما تمنح امتيازاً لصاحب العمل، ونرى من خلال الشهادات والشكاوى أن دول الخليج، في الواقع، تحفّز أصحاب العمل على تقديم هذه الشكاوى.

قيل لإيلين، قبل مغادرتها كينيا، أنها ستتولى رعاية شخص مسن. وعندما وصلت إلى البحرين أوكلت لها مسئولية كبيرة لرعاية منزل مكون من سبعة أشخاص. وبسبب عدم توفّر ما يكفيها من الطعام والنوم، حاولت ايلين العودة إلى وكالة التوظيف عدة مرات وطلبت من صاحب العمل أن يعيدها. لكن كانت مناشداتها تصطدم بآذان صماء، مما دفعها لترك المنزل في نهاية الأمر. وظل جوازها، الذي أخذ منها، فور وصولها، في حوزة صاحب العمل.
وتم تقديم شكوى ضدها بتهمة "الهروب"، ولن تتمكن من البحث عن عمل جديد إلا بعد الغاء التهم عنها واستعادة جواز سفرها.
وقالت "كانوا يهددوني بأنهم سوف يحبسونني ولا يدعوني أتحدث لعائلتي. كنت خائفة من البقاء. ولم يكن لدي خيار سوى المغادرة. كنت خائفة على حياتي، فلديّ عائلة هناك في بلدي. " وتنتظر إيلين في وضعها المُهمَل، بدون خطط لأنها لا تعرف ماذا عليها أن تفعل لتخرج نفسها من هذا الوضع. "

وتنتظر إيلين في وضعها المُهمَل، بدون خطط لأنها لا تعرف ماذا عليها أن تفعل لتخرج نفسها من هذا الوضع.

"أنني بانتظار معجزة"

ومن خلال تجربتها، تؤكد المحامية حنان عبد الرحمن، أن تهم الهروب لا تستخدم أبداً بسبب عدم حضور الموظف إلى عمله. "أنها في الغالب لإخافة الموظف الذي يرفع قضية ضدهم، وهو ما يكون في صالح العامل على أية حال؛ أو لإخافة الموظفين الأخرين في الشركة وثنيهم عن القيام بذلك. إنها آلية لغسل الدماغ وقلب الميزان فيما يتعلق بمن هو المسيء ومن هو المُسَاء اليه."

وفي حين توجد هناك إجراءات لإلغاء هذه التهم، إلا أنها غير واضحة للشخص العادي، فيما تتطلب وقتا طويلا لمن لديهم علم بكيفية القيام بها. ويتعرض العمال المهاجرون ممن يواجهون تهم الهروب لخطر ًأكبر في المجتمعات التي لا يوجد فيها مجتمع مدني أو أن وجوده محدوداً. وفي كل دولة، يوجد نظام مختلف يتطلب معرفة معينة لمساعدة العمال. وأخبر عدد من العمال الذين تم ترحيلهم من السعودية بسبب تهم "الهروب" و"مطلوب"، MR أن هناك آلاف مثلهم لازالوا يقبعون في السجون ومراكز الاحتجاز في المملكة، ممن ليس لديهم وسائل للحصول على المال أو ليس لديهم معرفة بأي شخص يمكن أن يقدم لهم المساعدة.

يقول تشيتو، وهو أخصائي حالات في جمعية العمل الاجتماعي الكويتية أنه في حالة تقديم الشكوى مباشرة في مركز الشرطة، فإن فرص رفض التهم تكون ضئيلة. ويضيف: “هناك نوعان من الهروب في الكويت. أحدهما، عندما تقدم الشركة شكوى لوزارة العمل. وهذه يمكن الغائها، فور زيارة العامل للإدارة وتوضيح موقفه. والآخر وهو أكثر تعقيداً عندما يقدم صاحب العمل الشكوى في مركز الشرطة تحت وزارة الداخلية. وهذه لا يمكن الغائها وليس هناك ما يمكن فعله من أجل ذلك. فأنت تخسر حقوقك ويتم ترحيلك." وهذا مشابه للوضع في البحرين، حيث يعتبر تقديم الشكوى لدى هيئة تنظيم سوق العمل أسهل نسبياً لإلغائها عنه في مراكز الشرطة.

وفي الظروف الخاصة، حيث يمكن إلغاء تهم الهروب، مثل حالات وجود الجريمة التي يمكن اثباتها ضد صاحب العمل، وتتم الإجراءات من خلال المحكمة الجنائية وفي الغالب تكون طويلة جداً. ويقول:" كان الهدف من نقل عمالة المنازل من الاختصاص القضائي لوزارة الداخلية إلى الهيئة العامة للقوى العاملة هو تحسين الحماية للعمال، إلا أنه خلق عقبات جديدة أمام الوصول إلى العدالة.

ويضيف: "عندما كانت إدارة العمالة المنزلية تحت وزارة الداخلية، لا يتم النظر في أول شكوى هروب تقدم ضد العامل إذا ما كانت العاملة قد تقدمت بشكواها أولاً. أما الآن فقد أصبحت إدارة العمالة المنزلية تحت وزارة العمل، حيث لا توجد قناة وصول إلى نظام وزارة الداخلية التي تتسلم هذه القضايا. فحتى في حالة تقديم العاملة لشكوى، فستظل وزارة الداخلية تتلقى الاتهامات بالهروب. لابد من أن يكون هناك تنسيق داخلي أفضل ما بين هذه الإدارات."

بريما، وصلت إلى الكويت في نهاية 2018، وحصلت على الوظيفة بمساعدة عمتها التي كانت تعمل في البلد لأكثر من عقد. وخلال شهور، كان على بريما صد تحرش جنسي من قبل ابن صاحب العمل الشاب. "عندما اشتكيت، ساءت العلاقة بينا، وبدأت أتلقى معاملة أسوأ، كنت أحصل على وجبة واحدة في المساء، وغالباً ما يكون الطعام بائتاً، وكان عليّ سرقة حتى كوب الشاي. وأصبح راتب ي غير منتظماً."
حاولت بريما مناشدة صاحبة عملها مباشرة، وأيضا من خلال عمتها ليسمح لها بالمغادرة. وفي وقت سابق هذا العام وافقت صاحبة عملها على ذهابها لقضاء الإجازة في بلدها، الهند، بشرط أن تعود للعمل في منزلهم. "أخبرتني أنهم سوف يلغون تأشيرتي ولن يكون بمقدوري العودة. وقد وافقت على هذا الشرط أيضاً. وبعد فترة عاود الابن التحرش بي. في يوليو توسلت إليهم أن يعيدوني إلى بلادي، لكنهم رفضوا قائلين إنه سيكون من الصعب العودة إلى الكويت بسبب كورونا."
ولم يعد بمقدور بريما التحمل أكثر، ما دفعها على مغادرة المنزل في يوليو بمساعدة شخص من السفارة الهندية، وتقدمت بشكوى في كل من وزارة العمل وفي السفارة. وخلال الأسبوع نفسه قام صاحب عملها بتقديم شكوى "هروب ضدها.
"لا أفهم هذا... لقد تقدمت بشكوى أولاً، إلا أنني الآن ممنوعة من السفر ولا يمكنني مغادرة البلد. ما هو نفع شكواي إذن؟"

يعيد عبد الرحمن، ضجرا، سرد هذه العمليات. "هؤلاء (العمال) ليسوا بمجرمين، وهم ليسوا معتادين على التعامل مع الشرطي والقاضي، كما أن قاعات المحاكم مخيفة. هم لا يعرفون مالذي يجري – لقد تمت معاملتهم بشكل سيء، هناك حاجر اللغة. لا بد من أن تكون مرنا ًوقوياً للغاية حتى تتمكن من الصمود أثناء عملية الطعن في تهمة الهروب. وليس كل شخص بإمكانه فعل ذلك. يقول تشيتو أن الدولة تسمح لأصحاب العمل باستخدام ذلك كـ “حماية" لأصحاب العمل. " الهروب ليس حلاً، ولا حماية، ذلك لأنه أسيء استخدامه. لا بد من إلغاء تجريمه."

إن سلطة الإبلاغ عن شخص بأنه هارب أو فارّ يمنح أصحاب العمل سيطرة مفرطة على موظفيهم. وينجم عن ذلك تحمل العمال للإساءة الشديدة، كسرقة الأجور، والأوضاع المعيشية المهينة ذلك ليس فقط لخوفهم من أن تؤدي شكوى الهروب إلى ترحيلهم، وإنما لأنه لن يكون بوسعهم العودة واستكشاف فرص عمل أخرى في سوق العمل يشعرون بالراحة تجاهها.

مو البنغلاديشي لم يتسلم راتبه من صاحب العمل منذ نوفمبر الماضي. ويواصل العمل على أمل استرداد مستحقاته، ويرفض أن يتقدم بشكوى. وتعتبر قضيته واحدة من قضايا عدة تتناولها MR حيث تخيف أساطير انتقام أصحاب العمل، العمال وتدفعهم إلى السكوت. "إذا ما ذهبت إلى وزارة العمل وقدمت شكوى فسوف يقدم بدوره شكوى هروب ضدي، وينتهي أمري، لن يكون باستطاعتي العودة إلى البلاد."

وسلط التقرير الأخير الصادرمن هيومن رايتس ووتش والخاص بقطر على الكيفية التي ينتقم بها أصحاب العمل بتهم الهروب إذا ما قدم العمال شكاوى ضدهم في المحاكم العمالية. 
ويقول عامل هندي عاش في قطر 13 عاماً: "بعد كل هذه السنوات التي عشت فيها وعملت في هذه البلد، أعرف الآن أنني إذا حاولت الوقوف في وجه أصحاب عملي، فسوف أخسر"، وفي حين لم يتعرض هذا العامل لأي حادثة خلال هذه السنوات، إلا أن صاحب عمله الأخير قام بترحيله في قضية هروب لأنه اشتكى لدى وزارة العمل من تأخر رواتبه لشهور في ذلك الوقت.

ألغت الكويت جميع حالات الهروب التي أُبلغ عنها خلال فترة كوفيد 19. وتم الإعلان عن فترات سماح في بداية تفشي الجائحة في الكويت لمدة شهر، وفي البحرين حتى نهاية العام من أجل إعادة العمال غير النظاميين بدون غرامة. وفي حين شمل القرار الكويتي أولئك الذين وجهت إليهم تهم الهروب، (لكن ليس المتهمون جنائياً)، فإن البحرين لم تفعل ذلك. وهذه السياسات تؤثر بشكل كبير على أشخاص مثل فرح التي وصلت إلى البحرين بتأشيرة منظف لكنها أُجبرت على العمل المنزلي. وبعد عدة شهور، فرّت من بيئة عمل صعبة لتجد وظيفة في مستشفى كمنظفة. ولم يكتفِ صاحب عملها بمصادرة جوازها وإنما قدم شكوى هروب ضدها وطالب بمبلغ 800 دينار بحريني ليسمح لفرح بالتحويل إلى صاحب عمل آخر. ولأنها لا تستطيع توفير هذا المبلغ الباهظ، ولا تستطيع أيضا العودة إلى بلدها، تعيش فرح في ضياع، مهاجرة أخرى بانتظار معجزة.

وبرغم مطالبات المدافعين عن حقوق العمال بإلغاء تجريم الهروب منذ مدة طويلة حتى الآن، إلا أن الدول الخليجية لم تبدِ أي منها أية مؤشرات في هذا الاتجاه، بل على عكس ذلك، شددت الإجراءات التي تجرّم العمال الذين يرفضون الانتهاك. ومنذ عدة شهور، نشرت وزارة الداخلية القطرية صورة "عصابة" تم اتهامها بتسهيل هروب عاملات المنازل. ويتجاهل كلا القبض والإفراج الأسباب التي رفعت العاملة لـ “الهروب" من منزل الأسرة.

في 2013، أعلنت السعودية أنها ستلغي "الهروب". لكنها لم تفعل ذلك، وفي الواقع أعلنت عن غرامات باهظة على أصحاب العمل الذين لا يقومون بالإبلاغ عن العمال الهاربين. لكنها، مع ذلك فرضت غرامات تصل إلى 20,000 ريال سعودي على أولئك الذي يتقدمون ببلاغات هروب كاذبة. وتسمح البوابة الالكترونية لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، العمال بالطعن في تهم الهروب الكاذبة خلال عام واحد من تاريخ الشكوى. إلا أن هذه الخدمة متوفرة فقط باللغة العربية، الأمر الذي لا يجعلها غير متاحة للغالبية العظمى من المهاجرين ممن سيحتاجون مساعدة وسطاء بتكلفة باهظة، كما ذكر سابقا في هذا التقرير.

تدعو Migrant-Rights.org دول الخليج إلى إلغاء تجريم الهروب، وتعديل القوانين تبعاً لذلك. وحتى يتحقق ذلك، لابد من أن تشمل التدابير المؤقتة ما يلي:

  1. تنفيذ قرارات فترات السماح لتشمل العمال ممن يواجهون تهم هروب معلقة والاعفاء من جميع الغرامات ذات العلاقة. كما يجب أن توسّع قرارات فترة السماح لتشمل طرقاً لتسوية أوضاعهم. 
  2. تجريم العمال الذي يسيئون استخدام القوانين ويتقدمون بتهم كاذبة.
  3. التحقيق في جميع حالات الهروب للتأكد من الانتهاكات والإساءة التي قد تكون دفعت العامل لترك مكان عملهم. 
  4. إذا تم تقديم شكوى من قبل العامل، يجب أن تكون لها الأسبقية على أي شكوى تقدم بعدها من قبل صاحب العمل. والتأكد من وجود تنسيق أفضل بين وزارات العمل والداخلية لتحقيق ذلك. 
  5. يجب أن يولى اهتمام خاص لعاملات المنازل اللاتي يتم اتهامهن بالهروب 
  6. تسهيل الأمر على المهاجرين لتغيير وظائفهم، خصوصاً أولئك العاملين في المنازل. 

* تم تغيير أسماء العمال لحماية هويتهم